في عام 749م توفي رأس المعتزلة واصل بن عطاء الغزّال، أحد كبار الأئمة البلغاء والمتكلمين. وكان يلثغ بالراء فيجعلها غيناً، قال أبو العباس المبرد في حقه في كتاب (الكامل): كان واصل بن عطاء أحد الأعاجيب، وذلك أنه كان ألثغ قبيح اللثغة في الراء، فكان يخلص كلامه من الراء ولا يُفطن لذلك، لاقتداره على الكلام وسهولة ألفاظه ففي ذلك يقول الشاعر من المعتزلة وهو أبو الطروق الضبي يمدحه بإطالة الخطب واجتنابه الراء على كثرة ترددها في الكلام، حتى كأنها ليست فيه:
عليم بإبدال الحروف وقامعٌ … لكل خطيب يغلب الحقَّ باطله
وقال آخر:
ويجعل البرَّ قمحاً في تصرُّفه … وخالف الراء حتى احتال للشَّعَر
ولم يطق مطراً، والقول يعجله، … فعاذ بالغيث إشفاقاً من المطر
ومما يحكى عنه، وقد ذكر بشار بن برد، فقال: أما لهذا العمى المكتني بأبي معاذ من يقتله؟ أما والله لولا أن الغيلة خلق من أخلاق الغالية لبعثت إليه من يبعج بطنه على مضجعه، ثم لا يكون إلا سدوسياً او عقيلياً، فقال: هذا الأعمى، ولم يقل بشار ولا ابن برد ولا الضرير، وقال: من أخلاق الغالية، ولم يقل المغيرية ولا المنصورية، وقال: لبعثت، ولم يقل لأرسلت، وقال: على مضجعه، ولم يقل على مرقده ولا على فراشه، وقال: يبعج، ولم يقل يبقر، وذكر بني عقيل لأن بشاراً كان يتوالى إليهم، وذكر بني سدوس لأنه كان نازلاً فيهم.
وذكر السمعاني في كتاب (الأنساب) في ترجمة المعتزلي أن واصل بن عطاء كان يجلس إلى الحسن البصري، فلما ظهر الاختلاف وقالت الخوارج بتكفير مرتكبي الكبائر وقالت الجماعة بأنهم مؤمنون وإن فسقوا بالكبائر، فخرج واصل بن عطاء عن الفريقين وقال: إن الفاسق من هذه الأمة لا مؤمن ولا كافر، منزلة بين منزلتينن فطرده الحسن عن مجلسه فاعتزل عنه، وجلس إليه عمرو بن عبيد، فقيل لهما ولتباعهما: معتزلون. وهو الذي نشر مذهب (الاعتزال) في الآفاق: بعث من أصحابه عبد الله بن الحارث إلى المغرب، وحفص بن سالم إلى خراسان، والقاسم إلى اليمن، وأيوب إلى الجزيرة، والحسن بن ذكوان إلى الكوفة، وعثمان الطويل إلى أرمينية.
وكان واصل طويل العنق جداً بحيث كان يعاب به، وفيه يقول بشار بن برد الشاعر:
ماذا مُنيت بغزَّال له عنق … كنقنق الدوِّ إن ولّى وإن مثلا
عنق الزرافة، ما بالي وبالكم … تكفّرون رجالاً كفروا رجلا؟
ولد بالمدينة سنة 700م، ونشأ بالبصرة. وكان يلثغ بالراء فيجعلها غيناً، فتجنب الراء في خطابه، وضُرب به المثل في ذلك. وكانت تأتيه الرسائل وفيها الراءات، فإذا قرأها أبدل كلمات الراء منها بغيرها حتى في آيات من القرآن. ومن أقوال الشعراء في ذلك، لأحدهم:
أجعلت وصلي الراء، لم تنطق به … وقطعتني حتى كأنك واصل
ولأبي محمد الخازن في مدح الصاحب بن عباد:
نعم، تجنب لا، يوم العطاء، كما … تجنب ابن عطاء لفظة الراء
وكان ممن بايع لمحمد بن عبد الله بن الحسن في قيامه على (أهل الجور). ولم يكن غزّالاً، وإنما لقب به لتردده على سوق الغزّالين بالبصرة ليعرف المتعففات من النساء فيجعل صدقته لهن.. له تصانيف، منها (أصناف المرجئة) و(المنزلة بين المنزلتين) و(معاني القرآن) و(طبقات أهل العلم والجهل) و(السبيل إلى معرفة الحق) و(التوبة).

شارك الموضوع
المقالة السابقةالشاعر جميل القضاعي
المقالة التاليةابن عياض