في عام 842م توفي بسامراء المعتصم بالله محمد بن هارون الرشيد بن المهدي بن المنصور، أبو إسحاق، أحد أعاظم خلفاء بني العباس. بويع بالخلافة سنة (218هـ/833م)، يوم وفاة أخيه المأمون، وبعهد منه، وكان بطرسوس. وعاد إلى بغداد بعد سبعة أسابيع (في السنة نفسها). وكان قوي الساعد، يكسر زند الرجل بين أصبعيه، ولا تعمل في جسمه الأسنان. وكره التعليم في صغره، فنشأ ضعيف القراءة يكاد يكون أمياً. وروي عنه انه كان يتردد إلى الكتّاب معه غلام فمات الغلام، فقال له أبوه الرشيد: ما فعل غلامك؟ قال: مات فاستراح من الكتاب، فقال الرشيد: وقد بلغ منك كراهة الكتاب على ان تجهعل الموت راحة منه؟ والله يا بني لا تذهب بعد اليوم على الكتاب. وهو فاتح عمورية من بلاد الروم الشرقية، ومسقط رأس القيصر نقفور، في خبر مشهور، عندما استغاثت به إحدى حرائر المسلمين وقد اعتدى عليها بعض أجلاف الروم بمقولة: (وا معتصماه). وقتل من اهل عمورية ثلاثين الفاً وسبى مثلهم، وكان في سبيه ستون بطريقاً، وأشعل النار في عمورية في سائر نواحيها فأحرقها وجاء بنائبها إلى العراق وجاء ببابها أيضاً معه وهو منصوب حتى الآن على أحد أبواب دار الخلافة مما يلي المسجد الجامع في القصر.
فقال الشاعر أبو تمام يمدح المعتصم:
السَّيفُ أصدق أنباءً من الكُتُبِ … في حدِّهِ الحَدُّ بينَ الجِدِّ واللَّعِبِِ
فتحُ الفُتُوحِ تعالى أن يُحيطَ به … نظمٌ من الشعر أو نثرٌ من الخطب
يــا يوم وقعة عمُّريَّة انصرفت … عنك المنى حُفَّلاً معسولة الحَلَبِ
أبقيت جدَّ بني الإسلام في صُعُدٍ … والمشركين ودار الشِّرك في صبب
لقد تركت أمير المؤمنين بهــا … للنَّار يوماً ذليل الصَّخر والخشب
غادرت فيهم بهيم اللَّيل وهو ضُحًى … يشُلُّه وسطها صبحٌ من اللَّهب
حتَّى كأنَّ جلابيب الدُّجى رغبت … عن لونها أو كأنَّ الشَّمس لم تغب
ضوءٌ من النَّار والظلماءُ عاكفةٌ … وظلمةٌ من دخانٍ في ضحًى شحب
فالشَّمس طالعةٌ من ذا وقد أفلت … والشَّمس واجبةٌ من ذا ولم تجب
تدبير معتصمٍ بالله منتقمٍ … للــه مرتغبٍ في اللــه مرتقب
لم يغزو قوماً ولم ينهض إلى بلدٍ … إلاّ تقدَّمه جيشٌ من الرُّعب
لو لم يَقُد جحفلاً يوم الوغى لغدا … من نفسه وحدها في جحفل لجب
رمى بك الله بُرجيها فهدَّمهــــا … ولو رمى بك غيرُ الله لم يصب
لَبَّيت صــوتاً زبطريّاً هرقت له … كأس الكرى ورضاب الخُرَّد العُرُبِ
أجبته معلنــاً بالسَّيف منصلتاً … ولو أجحبت بغير السَّيفِ لم تجب
تسعون ألفاً كآساد الشَّرى نضجت … جلودهم قبل نضــج التين والعنب
والحرب قائمةٌ في مأزقٍ لجبٍ … تجثو الرِّّجالُ به صُغراً على الرُّكب
كم نِيلَ تحت سن،اها من سنا قمرٍ … وتحت عارضها من عارض شَنِبِ
كم كان في قَطعِ أسبــاب الرِّقَب بها … إلى المُخَدَّرَةِ العذراء من سبب
خليفة الله جــازى الله سعيك عن … جرثومة الدِّين والإسلام والحسب
بضصُرتَ بالرَّاحة الكبرى فلم ترها … تُنال إلا على جسر من التعب
والمعتصم هو باني مدينة سامراء سنة (222هـ/837م) حين ضاقت بغداد بجنده. وهو أول من أضاف إلى اسمه اسم الله تعالى، من الخلفاء، فقيل (المعتصم بالله) وكان لين العريكة رضي الخلق، اتسع ملكه جداً. وكان له سبعون ألف مملوك. خلافته 8 سنين و8 أشهر، وخلف 8 بنين و8 بنات، وعمره 48 سنة. ولهذا لقب (بالخليفة المثمن). وكان أبيض أصهب حسن الجسم مربوعاً طويل اللحية.

شارك الموضوع
المقالة السابقةمكتوم بن راشد
المقالة التاليةالملكة كاترين