التصنيفات: مترجم

من هو الإنسان الأول؟

شاركها

  • Facebook
  • Twitter
  • Google +

من هو الإنسان الأول؟

ما سَيَلِي هو ترجمة لمقاطع من كتاب (سحر الواقع) لريتشارد دوكينز مع اختصار بعضها لجعل المقال أقلَّ جُهدًا ووقتًا للقراءة.

قبل البدء بالقراءة علينا الإذعان للفكرة وراء تعلّم أي جديد، إن البناء يتطلّب الهدم أحيانًا ويتطلّب عقلًا قادرًا على التخيّل واستيعاب الجديد إذ أنه لا وجود لإنسانٍ ناضجٍ مدركٍ لجميع الحقائق منذ ولادته، كما أن الإنسان يسعى دائمًا للمعرفة واستيعاب ما يجدّ منها.

من هو الإنسان الأول؟ من المفاجئ أن نقول أنّه لا وجود لإنسانٍ أول لأن لكل إنسانٍ أبوين، والأبوان هما أناسٌ بالضرورة؛ تمامًا كالأرانب! لم يكن هناك أرنبٌ أول أو تمساحٌ أول أو يعسوبٌ أول، كل كائنٍ يولد منتمٍ إلى نفس نوعه (مع وجود استثناءات قليلة) تمامًا كأجداده وأجداد أجداده، لكن هل يستمر هذا للأبد؟ بالتأكيد ليس الأمر بهذه البساطة وسنحتاج لشرح ذلك باستخدام تجربةٍ فكرية ولهذه التجربة نحتاج لاستخدام المخيلة.

تخيّل نفسك تتّبع التعليمات التالية: ابحث عن صورة لك ثم ضع صورة لوالدك فوقها ثم ضع فوقها صورةً لوالده؛ أي جدّك، ضع الآن فوقهم صورة لوالد جدّك وفوقها صورة لجدّ جدّك، بالتأكيد لم تلتقِ بهم جميعًا لكنك ربما سمعت قصصًا عن بعضهم، ضع فوق كومة الصور صورة لوالد جدّ جدّك، تابع هذه العملية حتى تصل إلى الرقم (185) مليون، الآن؛ انقل هذه الكومة الهائلة إلى رفّ تتسلسل فيه الصور أفقيًا، وبافتراض أن الصور مطبوعة بحجم بطاقة بريد؛ سيصل طول الرفّ إلى ما يقارب الأربعين ميلًا، ستكون صورتك في بداية الرف وفي نهايته صورة جدّك رقم (185) مليون. هل تستطيع تخيل شكله؟ هل هو عجوزٌ أو رجل كهف؟ إنسَ أي من هذه الأفكار، لا نعلم كيف كان شكله بالضبط لكن الأحافير تعطينا تصورًا مهمًا عن شكله، صدّق أو لا تصدّق، إن جدك رقم (185) مليون كان سمكة! تمامًا كجدّتك رقم (185) مليون، ولولاهما لما كنت هنا اليوم.

ابدأ الآن بإزالة الصور واحدة تلو الأخرى بدءًا بصورتك، لن تجد فرقًا بين الصورة ومجاورتها فالابن يشبه الأب الذي بدوره يشبه الجد، فبين صورتك وصورة السمكة ملايين من الصور كل واحدة تشبه الصورة المجاورة لها فكيف حدث هذا؟

في الحقيقة؛ ليس الأمر مستعصيًا على الفهم، فالتغيرات الطفيفة تتراكم بخطوات ضئيلة لكي تؤدي إلى تغيّرٍ ملحوظٍ، انظر مثلًا كيف كان شكلك تمامًا بعد الولادة، وكيف هو الآن، أو كيف سيختلف بعد سنوات؟ فعلى الرغم من ذلك فأنت لا تلاحظ الفروق في شكلك يومًا بعد يوم عند نهوضك من السرير في كل صباح لكون التغيرات ضئيلةً، ولا يتوقف الإنسان فجأةً عن كونه رضيعًا ليصبح طفلًا، ولا يصبح الطفل مراهقًا بتغيّر مفاجئ، ولا يوجد يوم تقول فيه عن شخصٍ ما أنه شاب؛ وفي اليوم التالي تصفه بالشيخوخة! هذا المثال يساعدنا على فهم التجربة الفكرية إذ أن العملية هي ذاتها من حيث التغيّر الطفيف غير الملحوظ الذي يتراكم لتشكيل تغييرات كبيرة.

سنعود الآن إلى تجربتنا؛ لن تلحظ فروقًا عندما تعود ألف سنةٍ أو حتى (10) آلاف سنةٍ إلى الوراء، أي إلى جدّك رقم (400)، باستثناء بعض الفروقات؛ فلا أحد يتطابق شكله مع شكل والده تطابقًا تامًا، لكن ما نقصده هو أنك لن تستطيع ملاحظة الميل العام للتغيير؛ أي أنهم جمعيًا يبدون كأناسٍ مع اختلافاتٍ في الملابس وقصّة الشعر وبعض هذه الفروق.

ماذا إن عدنا (100) ألف سنة إلى الوراء أي إلى جدّك رقم (4) آلاف؟ سنستطيع الآن ملاحظة بعض الفروق؛ فقد تكون الجمجمة أكثر سمكًا خصوصًا أسفل الحاجبين، فإن عدنا إلى الصورة التي يعود عمرُ من فيها إلى مليون سنة أي إلى جدّك رقم (50) ألف؛ ستلاحظ أنه يختلف إلى درجة يعد فيها أنه من نوع آخر هو من ندعوه هومو إيريكتس-Homo erectus ، ونحن الآن كما تعلم ننتمي إلى نوع “Homo sapiens”، فمن غير المرجّح أن يرغب أحدٌ من هومو سابينز وهمو إيريكتس بالتزاوج مع بعضهم! وإن أرادوا ذلك فيمكننا توقع أن طفلهم لن يكون قادرًا على الإنجاب، تمامًا ككون البغل الذي ينحدر من فرسِ (أم) وحمار (أب) غير قادرٍ على الإنجاب، ولم يكن هناك أحدٌ من فصيل هومو إيريكس قام بولادة طفل من نوع هومو سابينز-Homo sapiens، ولهذا السبب فإن السؤال عن الإنسان الأول ليس له جوابٌ دقيق.

هل نستطيع القول عن هومو إيريكتس أنه إنسان أو شخص؟ هذا سؤال يتعلّق باختيارك للكلمات وهو ما يسمى بالسؤال الدلالي، لكن بالتأكيد لن يسمي أحدٌ السمكة إنسانًا فهذا سخفٌ على الرغم من كون سلسلة التطور متّصلةٌ يكون فيها كلّ عضوٍ من النوع نفسه الذي ينتمي إليه من هو بجواره.

إعداد: لؤي الضباعين
مراجعة: حمزة مطالقة
تصميم: أنس الضباعين
المصدر: The Magic of Reality – Richard Dawkins

التعليقات مغلقة

نشر