معروف الدواليبي

في مثل هذا اليوم من عام 2004م توفي الدكتور محمد معروف الدواليبي أحد أشهر رؤساء الوزارات في سورية، والمستشار في الديوان الملكي السعودي عن عمر ناهز الـ97 عاماً قضاها في خدمة الوطن والعقيدة والجهاد من أجل الحرية والسيادة والسعي الدائم لنصرة الشعوب العربية والإسلامية وتحرير أراضيها من الاحتلال الأجنبي.
ولد الدواليبي عام 1907م في حلب التي كانت موطن سيف الدولة ثم أصبحت في تاريخ سورية الوطني في القرن العشرين الماضي معقل الزعيم الوطني المجاهد الكبير إبراهيم هنانو زعيم الثورات الوطنية في سورية ضد الغزاة الفرنسيين.
مثل الدواليبي حلب في البرلمان السوري، وحافظ على مقعده النيابي حتى عام 1963م عندما تسلم حزب البعث مقاليد السلطة في سورية. وهو رجل علم وعالم ومتفقه في العقيدة الإسلامية، ورجل أدب وقانون، بارعاً في الحوار مع السياسيين، ساعياً خلف السيادة والحرية مطالباً بالديمقراطية والالتزام بالدستور من دون كلل. وكان في كل مواقفه الصلبة الحازمة مدافعاً عن العقيدة الإسلامية، وعن الوطن وعن الأخلاق مطالباً بالإصلاح السياسي والانفتاح المتزن ضمن العقيدة وما تسمح به الشريعة.
جاء الدواليبي من موطنه حلب وأقام في دمشق مع زميله ورفيق دربه العالم الإسلامي الشيخ مصطفى الزرقا لحضور جلسات المجلس النيابي، وكانا يعتمران العمامة (الحلبية) التي اختص بها مشايخ حلب ويلقبان بالشيخ الدواليبي والشيخ الزرقا، وإن كانا تخليا بعد فترة عن العمامة، ونزعا لباس المشيخة واختارا الهندام المعروف لدى عامة الشعب.
أكمل الدواليبي دراسته العليا في جامعة السربون في باريس وحصل على إجازة في الشريعة والعلوم الإسلامية – ليسانس في الحقوق، ودبلوم في الدراسات العليا في الحقوق من جامعة السربون، كما حصل على ليسانس من كلية الآداب من جامعة دمشق. وخلال إقامته الدراسية في أوروبا استطاع أن يتعمق بمبادئ الشريعة الإسلامية وبأصول الدين والعقيدة لذلك أصبح بمثابة موسوعة علمية في فقه الدين الإسلامي، ثم أخذ يدرس العديد من الكتب الدينية المسيحية واليهودية، ما أتاح له أن يكون محاوراً صلباً في أمور الأديان السماوية.وأجمع الطلاب العرب الذين يتابعون دراستهم العليا في فرنسا على انتخابه رئيساً للجنة الطلاب العرب ليتولى بصلابته الدفاع عن حقوقهم عل الأرض الأوروبية، في وقت كانت الظروف الدولية تمر في مراحل صعبة وهي تقع بين حربين عالميتين.
أنقذ الشيخ معروف الدواليبي المجاهد الفلسطيني الحاج أمين الحسيني مفتي فلسطين الذي كان مفروضاً عليه الإقامة الجبرية في فرنسا، فقد طلب الدواليبي من السلطان محمد الخامس ملك المغرب الذي كان يقوم بزيارة لفرنسا لتهنئة الجنرال ديغول بتحرير فرنسا، أن يطلق الحسيني، وبالفعل استجاب ديغول لطلب السلطان وأخلى سبيله، ومن ثم هرَّب الدواليبي الحسيني سنة 1946م على طائرة أمريكية عسكرية من دون علم السفارة الأمريكية وبجواز سفر مزور إلى القاهرة.
أسندت للدواليبي العديد من المناصب الرسمية في الدولة، فعين أستاذاً في كلية الحقوق، ثم رئيساً لقسم تاريخ القانون والحقوق الرومانية في جامعة دمشق، وأستاذاً في كلية الشريعة. ثم دخل العمل في الحياة السياسية السورية، فانضم إلى حزب الشعب الذي يتزعمه الرئيس هاشم الأتاسي، والذي تخلى بعد انتخابه عن رئاسة الحزب للسياسي المخضرم رشدي الكيخيا الذي أطلق عليه لقب زعيم الشمال (حلب)، وقد خلف في تلك الزعامة الرئيس سعد الله الجابري، الذي كان قد خلف بدوره الزعيم إبراهيم هنانو.
أختير الدواليبي وزيراً للاقتصاد في وزارة خالد العظم بعد إطاحة العقيد أديب الشيشكلي بالعقيد سامي الحناوي.
وفي اجتماع الدورة الثانية عشرة للجامعة العربية بهدف إقرار مشروع الضمان، أدلى الدواليبي بتصريح هز الدول الغربية الكبرى أكد فيه أنه يتحدث بصفته الخاصة لا بصفته مسؤولاً في الدولة السورية، وقال: (إذا استمر ضغط الحكومة الأمريكية على البلاد العربية لجعلها تسير في سياسة لن تنتهي إلا بتهديد بقية أبناء الشعوب العربية، فإنه يرجو إجراء استفتاء في العالم العربي ليعرف الملأ إذا كان العرب يفضلون ألف مرة أن يصبحوا جمهورية سوفياتية على أن يكونوا طعمة لليهود). وبعد هذا التصريح اطلق على الدواليبي لقب: (الشيخ الأحمر).
وفي عام 1951م انتخب الدواليبي رئيساً لمجلس النواب، ومن ثم كلفه هاشم الأتاسي بتشكيل الحكومة، وهذا أدى إلى صراع بين العسكريين بقيادة الشيشكلي والمدنيين الذين يرفضون تدخل العسكريين بشؤون الحكم، فشكل الدواليبي الوزارة وتولى هو شخصياً منصب وزير الدفاع تحدياً للشيشكلي والقيادات العسكرية. وهذا دفع الشيشكلي للقيام بانقلابه الثاني واعتقال رجال الحكم، إضافة إلى رشدي الكيخيا وبعض أقطاب حزب الشعب، ووضع الجميع في سجن المزة. ثم شكل الدواليبي وزارته الثانية بعد انفصال سورية عن مصر بتكليف من رئيس الجمهورية ناظم القدسي.
ومنذ عام 1965م أقام الدواليبي في المملكة العربية السعودية كمستشار إسلامي في الديوان الملكي، ومثل المملكة في كثير من المؤتمرات الإسلامية والعالمية، وبقي على رأس عمله حتى وافته المنية.