محمود المبحوح

في عام 2010م اغتيل في دبي القائد العسكري الفلسطيني محمود المبحوح، وهو شخصية قسامية قيادية بارزة، أذلَّ الاحتلال من خلال عمليات المقاومة الرائعة التي تُوِّجت بأسْر جنديَّيْن صهيونيَّيْن لمبادلة أسرى فلسطينيين بهما.
ولد محمود عبد الرؤوف محمد المبحوح (أبو العبد) في 14 شباط عام 1960م، ولد في مخيم جباليا بمحافظة شمال قطاع غزة في أسرةٍ ملتزمةٍ ومتدينةٍ تعود جذورها إلى قرية بيت طيما التي احتلتها إسرائيل عام 1948م. وترعرع وعاش حياته في مخيم جباليا، وعايش الشرارة الأولى للانتفاضة، وقد كان منذ صغره يكره الاحتلال ويحب الانتقام منه بأية طريقة كانت، وكان يحلم بأن يكبر يوماً ليقارع جنود الاحتلال الصهاينة وينتقم من مرتكبي المجازر بحق الشعب الفلسطيني.
اعتقل محمود المبحوح على يد سلطات الاحتلال الصهيوني عدة مرات؛ عاش خلالها حياة الأسير الفلسطيني بكل ما تحمل الكلمة من مضامين؛ فاعتقل عام 1986م في سجن غزة المركزي (السرايا)، ووجِّهت إليه تهمة حيازة الأسلحة، وبعد خروجه من سجون الاحتلال الصهيوني استكمل حياته الجهادية فعاش مطارِدًا للاحتلال الصهيوني.
درس المبحوح المرحلة الابتدائية فقط في مدرسة الأيوبية (ج) بمخيم جباليا، ثم حصل على دبلوم الميكانيكا وتفوَّق في هذا المجال، وكان ناجحًا جدًّا في عمله حتى افتتح ورشة عمل في شارع صلاح الدين، وأحبَّه الجميع، حتى إن الكثير من فلسطينيِّي الـ48، كانوا يأتون إليه وقت إجازتهم لإصلاح سياراتهم يوم السبت، ولحسن أخلاقه ومعاملته الطيبة مع الناس أحبَّه الجميع وكل من حوله.
وعندما انتقل محمود إلى سورية حاز على العديد من الدورات المهمة في عدة مجالات؛ أبرزها الحاسوب، وتعلم العديد من اللغات الأجنبية.
وكان محمود ملتزمًا بصلواته في نشأته كلها؛ فمنذ عام 1978م التزم في (مسجد أبو خوصة) (المسجد الشرقي حاليًّا)، وكان منذ ذاك الزمن يحارب الكثير من البدع، مثل محلات القمار والمقاهي التي تفسد شباب المسلمين. وفي عام 1983م كانت هناك حملات شرسة من جماعات يسارية ضد (الجامعة الإسلامية)، وكانت تلك الجماعات تقوم بمحاربة الجامعة وتسعى إلى السيطرة عليها لمنع قيام جماعات إسلامية مناهضة لها، وفي ذلك الحين وقف محمود وقفة جادة وقوية لمناصرة الجامعة.
كان المبحوح منذ صغره يعشق المقاومة والجهاد في سبيل الله، وكان يتدرَّب على السلاح؛ وفي عام 1986م اعتقل لمدة عام في (سجن غزة المركزي) بـتهمة حيازة سلاح (الكلاشينكوف)، وبعد خروجه من السجن لم يتوقف عمله الجهادي، بل ازداد قوة، وازدادت علاقته بالشيخ القائد والمؤسِّس أحمد ياسين، وبالشيخ المؤسِّس العام لـكتائب الشهيد عز الدين القسام صلاح شحادة.
وعمل في المجموعة الأولى التي أسَّسها القائد محمد الشراتحة، وكان المبحوح عضوًا من أعضاء تلك المجموعة العسكرية، وهو المسؤول عن خطف جنديَّيْن صهيونيَّيْن وقتلهما.
وبعدما انكشف أمر محمود، وفي يوم 11أيار عام 1989م قامت قوات خاصة في ساعات الفجر الأولى، مستقلة سيارات من نوع (فورد)، بتطويق بيت محمود، وبعمليات إنزال على شرفة المنزل وسطحه، وقاموا بإلقاء قنابل صوتية وبتكسير أبواب المنزل بدون سابق إنذار واعتقلوا كل من في البيت؛ بمن فيهم الأطفال الصغار.
وكانت هناك قوات خاصة في (كراج – ورشة) محمود تنتظر قدومه لقتله أو اعتقاله، وكان الجنود الصهاينة متخفين في زي عمال زراعة، وعندما توجَّه أخواه إلى (الكراج) قام الصهاينة بإطلاق النار عليهما لحظة دخولهما، وأصيب أخوه فايق، وتم اعتقاله من قِبَل الصهاينة، أما أخوه نافذ فقد أصيب بجروحٍ بالغة الخطورة، وتم نقله إلى (مستشفى الأهلي).
ورغم الحصار والمطاردة ذهب أبو العبد إلى المستشفى ليطمئن على أخويه، ومن ثم غادر المكان، وبعد ذلك تمكَّن من الخروج من قطاع غزة؛ نظرًا لأنه أصبح مطلوبًا حيًّا أو ميتًا لقوات الاحتلال الصهيوني.
وفي عام 1990م قرَّرت المحكمة الصهيونية هدم بيت محمود ومصادرة الأرض، وكانت التهمة الموجَّهة إليه خطف جنود صهاينة.
بعد مطاردةٍ في غزة دامت أكثر من شهرين، تمكَّن محمود من اجتياز الحدود هو ورفاقه إلى جمهورية مصر العربية، وعندما اكتشف أمرهم من قِبَل الصهاينة طالبوا الحكومة المصرية بتسليمهم، إلا أنهم تمكنوا من الاختفاء عن أعين قوات الأمن المصرية لمدة ثلاثة أشهر حتى تم الاتفاق على تسليمهم وترحليهم إلى ليبيا، ومن هناك غادروا إلى سورية؛ حيث أكمل مشواره الجهادي.
عاش محمود المبحوح في سورية، وفي 19 كانون الثاني عام 2010م سافر إلى دولة الإمارات العربية المتحدة، ومكث ليلة في الفندق، وفي الصباح وجد جثة هامدة وقد ارتحل عن الدنيا بعد مشوارٍ جهاديٍّ مشرِّفٍ.