في عام1199م توفي في قلعة الموصل مجاهد الدين قايماز بن عبد الله الزيني. أمير من المماليك. أصله من سجستان، أخذ منها صغيراً واسترق وكان أبيض اللون، وكانت مخايل النجابة لائحة عليه. وأعتقه والد الملك المعظم صاحب إربل، وجعله (أتابك) أولاده وفوض إليه أمور إربل سنة (559هـ/1164م)، فاحسن السيرة وعدل في الرعية، وكان كثير الخير والصلاح، بنى بإربل مدرسة وخانقاه واكثر وقفهما. وانتقل إلى الموصل سنة (571هـ/1175م) فسكن قلعتها، وفوض إليه صاحبها (غازي ابن مودود) الحكم فيها وفي سائر بلاده، وكان يحمل إليه أكثر أموال إربل، وأنشأ في الموصل آثاراً جميلة، منها أنه بنى في ظاهرها جامعاص كبيراً ومدرسة وخانقاه، والجميع متجاورة، ووقف أملاكاً كثيرة على خبز الصدقات، وانشأ مكتباً للأيتام، واجرى لهم جميع ما يحتاجون إليه، ومد على شط الموصل جسراً غير الجسر الصلي، ووجد الناس به رفقاً كثيراً لعدم كفايتهم بالجسر الأصلي، ومدحه الشعراء، منهم حيص بيص وسبط ابن التعاويزي بقصيدته التي أولها:
عليل الشوق فيك متى يصحُّ … وسكران بحبِّك كيف يصحو
وبين القلب والسُّلوان حربٌ … وبين الجفن والعبرات صلح
فأجازه مجاهد الدين وسيّر له مع الجائزة بغلة، فوصلت إليه وقد هزلت من عب الطريق، فكتب إليه:
مجاهد الدين دمت ذخراً … لكل ذي فاقة وكــنزا
بعثت لي بغلـة ولكن … قد مسخت في الطريق عنزا
ومدحه بهاء الدين بقصيدة مشهورة التي يتغنى بهان ومن جملتها:
يا قلب تبّاً لك من صاحب … كان البلا منك ومن ناظري
لله أيامي على رامـــة … وطيب أوقاتي على حاجر
تكاد بالسرعة في مرّهـا … أولها يعثر بالآخــر
وعمل له سعد بن علي الحظيري كتاب (الإعجاز، في حل الأحاجي والألغاز، برسم الأمير مجاهد الدين قايماز) وكان يحب الأدب، وكثيراً ما يتمثل بأبيات من الشعر أو ينظمها، ومنها قوله:
إذا أدمت قوارصكم فؤادي … صبرت على اذاكم وانطويت
وجئت إليكم طلق المحيـا … كأني ما سمعت وما رأيت
وكان المبارك (ابن الأثير) صاحب (جامع الأصول) كاتباً بين يديه، ومنشئاً عنه إلى الملوك.

شارك الموضوع
المقالة السابقةالأشعري
المقالة التاليةزينب العاملية