التصنيفات: الصحة النفسية

ما هو العلاج المعرفي السلوكي

كما هو الحالُ مع كلّ شيء فإنّ كلّ أمرٍ راسخ له أساس، رسوخ العلاج المعرفي السلوكي، فلا بدّ من أنّه يستندُ إلى أساسٍ ما، ويُعدّ هذا الأساس مجموعة من النّظرياتِ وُضع غالبها في القرن الماضي بالطبع قبل تأسيسِ هذا العلاج.

ولمّا كان العلاج المعرفيّ السلوكيّ هو اندماجٌ بين المدرستين المعرفيّة والسلوكيّة؛ فإنّ لكلّ منهما نظرياتها الخاصّة والتي اقتبسها هذا العلاج وهي:

أوّلًا: النّظرياتُ المعرفيّة

تتعاملُ هذه النظريات مع الأفكار، وربّما تتشابه جوهريًا؛ فهي تهدف جميعًا إلى تصحيحِ الخللِ في التفكير، وأساسها فرضية أنّ الأفكار التي يعتقدها الإنسان هي التي تملي عليه الحياة التي يعيشها وتنقسمُ إلى:

1- نموذج ABC Model:

نظريةٌ طوّرها ألبرت أليس (1957) وعرّفها حينئذ بتقنية الأفكار غير المنطقية ABC Technique of Irrational Beliefs، وتفترض هذه النظرية بأنّ الاضطراباتِ العقليّة والعاطفيّة تصيب الإنسانِ نتيجةً لاتخاذه طريقة غير منطقية في التفكير، ويرى أليس أنّ هذه الطريقة تكمن في الأسلوبِ التعسفيّ في التفكير حيث استخدام صيغة الأوامر مثل “يجب أن أكون …” وهكذا. وتقوم النظرية بشكلٍ عام على ثلاث ركائز هي:

تفعيل الحدث أ A -activating event: وتشير إلى الحدث أو المشكلة المؤثرة.

العواقب ت C -consequences: وتتمثل في ردّ الفعل المصاحب أو المشاعر الناتجة عن الحدث A.

الإعتقادات ب B -beliefs: وهي الأفكار أو الاعتقادات حول الحدث A، وتُعتبر الجزء الأهم، حيث اعتقد أليس أنّ الحدثA ليس هو المسبّب للنتيجة C، إنّما تسبّبها الأفكار B، وعندما تكون هذه الأفكار غير منطقية فإنّها تقودُ إلى الاضطرابِ في المشاعرِ أو السلوك، ويقول أنّ هذه الأفكار غير المنطقية تُعزَّز بواسطة أفكارٍ أخرى خاطئة كعبارة: “أنا إنسانٌ فاشل” وهكذا.

وكمثالٍ تطبيقيّ على النظريّة، يقول أليس بأنّ الطالب الذي يصاب بالاكتئاب نتيجة لإخفاقه في الاختبار النهائي للثانوية وعدم حصوله على نسبةٍ تؤهله لدخول كليّة الطبّ، لا يمكن أن يُعزى اكتئابه لما حصل له في الاختبار، وإنّما يرجعُ إلى أفكارِ الطالبّ الخاطئة B حول الفشل في عدم دخوله كلية الطب. وعلى هذا فالحدث A وهو الإخفاق ليس هو المسؤولُ حول النتيجةِ C وهي الاكتئاب الذي يعاني منه الطالب.

2- نظريّة الثلاثيّة المعرفيّة (Cognitive Triad):

طوّرها آرون بيك 1976م لتوضيح الاكتئاب تحديدًا، وتتألف من ثلاثةِ عناصرَ معرفيّة تحثّ الشخص على النظر إلى نفسه ومستقبله وتجاربه أو عالمه بطريقةٍ يعتريها اليأس، ويقول بيك بأنّ المكتئب ينظر إلى نفسه نظرةً سلبيةً معتقدًا أنّه شخصٌ غير مرغوبٍ فيه أو عديمُ القيمة بسبب خللٍ نفسيّ أو أخلاقيّ، أو جسديّ في نفسه.

ويصحب هذا العنصر عبارات مثل: “أنا شخصٌ سيء” وهكذا. والعنصر الثاني هو ميل المكتئب إلى تفسيرِ تجاربه بطريقةٍ سلبيّة، فهو يرى أنّ العالم من حوله يفرض عليه أمورًا تصعب عليه، وبالتالي يكون مهزومًا، ويصحبه عبارات مثل: “حياتي كلّها مصائب” وهكذا. أمّا بالنسبة للعنصر الثالث فهو النظرة السلبية إلى المستقبل، فالمكتئب يتنبّأ بأنّ مصاعبه الحالية سوف تستمر إلى ما لا نهاية، ويصحبه عبارات مثل: “ليس هنالك أمل” وهكذا.

وتقترح النظرية أنّ العديد من الأعراضِ الثانويّة للاكتئابِ يمكن فهمها على أساس هذه الأفكار السلبية، وعلى سبيل المثال؛ يمكن أن يرجعَ انعدام الحافز إلى مزيجٍ من التشاؤم و اليأس، أو عندما يفقد الشخص اهتمامه بالأشياء التي كان يستمتع بها نتيجةً لاعتقاده السلبيّ أو افتراضه بأنّه لن يستمتع بها إذا فعلها مجددًا، وعليه فقد اعتقد بيك أنّ حياة المكتئبين تسيطر عليها مجموعةٌ من الافتراضات والتّي تشكل الإدراك.

وهذه الافتراضات المشتقة من كلام الناس لنا والتي نستدل عليها -بقصد أو بدون قصد- من الطريقةِ التّي يتصرف بها النّاس تجاهنا تُسمى الافتراضات الصامتة silent assumptions تجعل الناس أكثرَ عُرضةً للاكتئاب، ويمكن أن تشمل مثلًا :”لا بد من القيام بالعمل على أكمل وجه والحصول على قَبول الناس” أو: “يجب أن أكون موضعَ تقديرٍ للآخرين وإلا فليس للحياة معنى” وهكذا. والذي يجعل المعرضين للاكتئاب مختلفين هو مدى اندماجهم مع هذه الافتراضات أو الاعتقادات.

تم عرض النظريتين بشكلٍ مختصر لكن يمكنك الاستفادة أكثر من القراءات الإضافية المرفقة مع المصادر، ويمكنك أيضًا الاطلاع على الأجزاء الأولى بالسلسلة، ونناقش بقية النظريات لاحقًا.

التعليقات مغلقة