التصنيفات: صحة مترجم

لا أكسجين؟ ليست مشكلة لحبّار “هومبولدت”

إذا وصفت مرةً ما روتينك اليومي بإنّك تترك مكاناً مريحاً وتذهب إلى مكان تقريباً متضارب متنافر مع شيء اسمه حياة لكنت على الأرجح تبالغ في وصفك مدى سوء عملك.  لكن حبار “هومبولدت” (حبار عملاق) ما كان ليبالغ، فهو يمضي نهاره في مناطق من المحيط ذات نسبة منخفضة من الأوكسجين لحدٍ خطرٍ مهلكٍ. ليبقى على قيد الحياة، يقوم الحبار بإطفاء استقلابه.
لقد بدأ العلماء الآن في فهم كيفية قيامه بهذه الخدعة، والتي هي أكثر إثارة للإعجاب من إصلاح طابعة المكتب. (Dosidicus gigas) أو حبار “هومبولدت” و الذي يُدعى أيضاً بالحبار العملاق لأسباب ستدركها بوضوح إذا ما التقيت معه وجهاً لوجه. فبعض الأفراد من هذا الحبار يمكن أن يصل طولهم إلى ستة أقدام (182 سم) و هم صيادون عنيفون يقومون أحياناً بمهاجمة الغواصين ويمكن أن ينقلب لونهم إلى الأحمر الفاقع إذا ما أغضبهم أحد.
يقطن الحبار العملاق في شرق المحيط الهادي حيث يقوم يومياً بانتقال عمودي: فهو يمضي الليل مصطاداً في مناطق قريبة من السطح، وخلال النهار يغوص إلى حوالي 300 متراً تحت سطح الماء.

إن مدى غطس حبار هومبولدت يتداخل مع منطقة تعرف بالمنطقة ذات الأكسجين الأقل (منطقة تحوي أقل نسبة من الأكسجين) و يرمز لها بـ ( OMZ)، في هذه المنطقة وبسبب دوران مياه المحيطات لا يوجد تقريباً أي اوكسجين في الاعماق السفلية (أقل من 5% من كمية الأكسجين الموجود في المناطق القريبة من سطح الماء ).
يقول براد سيبيل، عالم الأحياء في جامعة رود آيلند: “ما إن اتضح أنّ الحبّار العملاق ينتقل يومياً إلى المنطقة قليلة الأكسجين، علمنا أنه من المؤكد أن الحبار يقوم بإطفاء استقلابه”، وقد أكدّت الدّراسات ذلك. فعندما يصل الحبار إلى بيئة قليلة الأكسجين، يقوم بتقليل استخدامه للطاقة، ومن خلال تقليل كمية الوقود التي يحرقها ويستهلكها، فإن الحبار يقلل كمية الأكسجين التي يحتاجها ليقود العملية.
في دراسة جديدة، قام سيبيل و زملاؤه بسحب أفراد من الحبار من المحيط ووضعها في خزانات مملوءة بمياه ذات كمية طبيعية من الأكسجين وأخرى مملوءة بمياه تحتوي نسبة قليلة من الأوكسجين لمدة ثلاث ساعات و ربع، ثم قام العلماء بأخذ عينات وقطع من الحبار لدراسة أنسجتها ليفهموا ما الذي يحصل على المستوى الجزيئي.
لقد رأوا أن الحبار عندما يمضي وقته بدون أكسجين يقوم بإطفاء عمليات تنشيط الجينات المستهلكة للطاقة، ويقوم بدلاً عن ذلك ببناء بروتينات جديدة، ويوجد حيوانات أخرى تقوم بنفس الشيء عندما تكون في منطقة قليلة الأوكسجين بحسب سيبيل. ويصيف سيبيل: “لكن الأفق الجديد الذي قد تفتحه هذه الدراسة هو الـ “Epigenetics” (الطريقة التي يتوضع فيها الحمض النووي (DNA) و يخزن داخل الخلايا) والتي يمكن أن تؤثر على كيفية استخدام الجينات في حالة الحبار العملاق، فإن التغيرات التي تطرأ على بروتينات الـ”هيستون”، وهي البروتينات المسؤولة عن التفاف الـ(DNA) لتخزينها بشكل أكثر تراصاً و إحكاماً، يبدو أنها تلعب دوراً حاسماً في تكيف الحبار على كميات قليلة من الأكسجين.

ونتيجة هذه التغيرات فإن الحبار البالغ يقلل من استخدامه للطاقة في المناطق قليلة الأكسجين بنسبة حوالي الثلث، أما عند الحبار اليافع فتصل النسبة إلى أكثر من النصف. وهذا هو السّرّ الكامن وراء صمودهم في مناطق قليلة الأكسجين لعدة ساعات دفعة واحدة.
لو وضعنا نحن البشر في موقف مماثل وحرمنا من الأوكسجين، لفرغت واختفت مخازن الطاقة الموجودة في خلايانا في دقائق معدودة. يقول سيبيل: “إن ما يثير الإعجاب ليست الطريقة التي يقوم بها الحبار بتقليل استهلاكه للطاقة، إنّما حقيقة أنّه يستطيع القيام بذلك، فمعظم الحيوانات البحرية التي يعرف عنها قيامها بإبطاء و خفض استقلابها تكون خاملة و كسولة عند قيامها بذلك”. لكن الحبار العملاق يملك أحد أعلى معدلات الاستقلاب بين الحيوانات، ومن المفاجئ أنّه يستطيع أن يخفض استقلابه بكل سهولة كل يوم.

و لماذا يشغل الحبار نفسه بهذا؟ يقول سيبيل: “إنها الهجرة العمودية، وتقوم بها الحيوانات عادة للإختباء من مفترسيها”. فالحيوانات الصغيرة تنتقل نهاراً إلى مناطق أعمق وأظلم لتصبح أقل عرضة لنظر المفترس، وهذا ما تقوم به فرائس الحبار العملاق ويضيف سيبيل: “قد ينبئك حدسك أن الحبار يهاجر كي يتابع الافتراس و الأكل ليلاً نهاراً”، لكن ليس هذا جوهر القضية، فاستقلابهم المنخفض في الـ(OMZ) يبدو أنه يجعلهم أكسل من أن يصيدوا هناك. بدلاً من ذلك، فالحبار ربما يغوص إلى المياه معدومة الأوكسجين فقط ليخفض استقلابه بينما هو ينتظر فريسته لتعود إلى المياه الضحلة. فاستقلابهم في الحالة الطبيعية عالٍ بشكل يستحيل معه قضاء النهار دون غذاء، لكن الغوص إلى الـ(OMZ) قد يساعدهم في الصمود حتى العشاء بين الحرارة المنخفضة، والنشاط القليل، واستخدام الوقود المُبطأ، حيث يمكن للحبار في المناطق قليلة الأكسجين أن يستهلك عُشر طاقته الإعتيادية.

هذه الخدعة ربما تمنح الحبار ميزة إيجابية و تقدماً على منافسيه الذين يضطرون للبقاء في المياه الضحلة الدافئة اليوم بطوله. ويقول سيبيل: “ويحتمل أنها تمنحه إيجابيات إضافية لأن التغير المناخي يجعل المناطق قليلة الاوكسجين أكبر و أكبر”. في الحقيقة، فإن مدى الحبار يتسع مؤخراً. لا شك أن الانتقال اليومي عسير و صعب، لكن يبدو أنه يعمل جيداً.

بقلم : اليزابيت باترسون

المصدر

التعليقات مغلقة

نشر