التصنيفات: مترجم

كيف تصبح أكثر منطقيّة؟

هل أنت مقتنع أنّ آرائك السياسيّة و الأخلاقيّة صحيحة في الوقت الحاضر؟ وإن كان بإمكانك أن تضع كل آرائك أمامك و تدققها هل ستجدها متسقة مع بعضها في مجموعة متجانسة ؟هل أنت منفتح على أفكار جديدة إن كانت ضد حدسك.
في مقالي الأخير قمت باستعراض فرضيّة برتراند راسيل التي تقول بأنّ الأغبياء يكونوا معتدين بآرائهم في حين أنّ الأذكياء ملئى بالشك. واستنتاجى أنّ هناك أدلّة قويةّ على نصف الفرضيّة الأول أكثر منها على الشق الثاني. فهناك العديد من الأذكياء المتمسكين بآرائهم أيضا.ً و لكن هناك أمل في تحقيق تجانسا أكبر بين آرائنا و التحرك نحو المزيد من الكِيَاسَة و الوفاق مع الآخرين إذا ما انهمكنا في عمليّة عقليّة مترويّة يدعوها الفلاسفة ب”التوازن الفكري”
بِإيجاز,”التوازن الفكري”هو طريقة لإختبار أحكامنا في مقابل مبادئنا الأخلاقيّة و أينما وُجِد تعارض فعلينا تعديل معتقداتنا و مبادئنا لتتفق سويّا بشكل أكثر تماسكا و عقلانيّة.

أقل نوع من التوازن الفكري و الذى يسمّيه راولز ب”الضيق” هو ما سأركز عليه في هذا المقال. فهو يحتاج من الجهد ما يكفي. و هؤلاء الّذين يبغون الوصول للتوازن الفكري”الواسع” فسيحتاجون إلى تعريض مبادئهم لتدقيق أكبر من خلال دراسة الأطر الفلسفيّة المختلفة.أمّا التوازن الكامل فسيأتي فقط حين يتفق المواطنون بشكل واسع حول مبدأ العدالة الّذي يجمعهم سويّا, لربّما في يوم ما.


الخطوة الأولى
ابدأ بجعل إحدى أقوى معتقداتك حاضرة في ذهنك بقوة. ربّما تدافع عن حق الإجهاض,أو تؤيد عقوبة الإعدام أو تعتقد بوجوب إلغاء ضرائب الولاية. ربّما تعتقد أنّ الحكومة يجب أن تكون أصغر ما يمكن. ربّما تؤمن تماما ًبحق زواج المثليين.
لربّما تكون مقتنع ببعض آرائك حتى إنّك لا تتخيل إعادة النظر فيها. و هذه الآراء تحديدا ًهي التي يتعين عليك مُسائلتها.غالبا ستظل محتفظاً بها حتى بعد تفكّر عميق, ولكن تمسكك بها يمكن أن يفيد في تطور تفكيرك في قضايا مشابهة من الناحية التحليليّة و سيقودك هذا إلى استنتاجات مبهرة.
المعتقدات التي تعتنقها كرد فعل في لحظة ضعف أو بدون إعطائها حقها من التفكير ليست ناضجة بعد لعملية التوازن الفكري,فقط الأحكام المدروسة كما يطلق عليها جون راولز هي التي يجب وضعها على طاولة البحث. و يعني هذا ضمنيّا أنّ ثقتك ينبغي أن تكون ضعيفة جدا ًفي الأحكام التي توصلت لها بسرعة بغير دراسة مناسبة أو توصلت لها حينما كنت منفعل أو منهك نفسيّاً. ربّما قرأت هذا الصباح لأندروا ك ماكّارثي في مجلّة “ناشونال ريفيو” National Reviewو ظننت فجأة أنّ الرّئيس أوباما قد باع التعديل الأول للدستور لصالح الإسلاميين (وهو لم يفعل هذا) ربّما أنت مدرس و أيّدت في الحال إضراب المعلمين في شيكاغو قبل معرفة القضايا المحددة محل الخلاف هناك. (لقد وقعت في هذا الخطأ و الأمر ليس بهذه السهولة) ربّما سمعت خطاب من متحدث لبق و حرك مشاعرك بقوة ( اعترف أنّ عيني ترقرقت بالدموع عند سماعي خطاب أوباما حين فاز في انتخابات آيواIowa في 3 يناير 2008

الخطوة الثانية
أما إذا حافظت على حماية منطقك عند مشاهدة الأخبار في القنوات الفضائية أو حين الاستماع إلى المرشحين أو قراءة المدونات و إذا ما استشرت مصادر موثوقة و تفكّرت فيما ينقلونه بعين ناقد, إذا ما فعلت هذا كله فأنت في طريقك لتطوير مجموعة من الأحكام المدروسة. بمجرد تحديدها فها هي الخطوات الأساسيّة للوصول إلى “توازن تأملي ضيق”:
1- وضح المبدأ (أو المبادئ) خلف حكمك المدروس.
2- فكّر مليّاً في معنى هذا المبدأ (أو تلك المبادئ) و الآثارالمترتبة عليه في قضايا أومواضيع متشابهة نسبياً.
3- تأمل هل لديك أسباب جيدة للموافقة على الآثار المترتبة على المبدأ/المبادئ التي شكّلت حكمك الأول.
4- إذا سببت لك المعاني الضمنية لمبدأك الإزعاج فأمامك خيارين: مراجعة مبادئك,أو تعديل حكم واحد أو أكثر من أحكامك المدروسة لتتناسب مع مبادئك.

دعنا نفترض أنّك تؤمن بخلو الكتاب المقدس من الأخطاء, و لنفترض أنّك أيضاً تعتقد أنّ الأخلاق تعرف من الرب و علاوة على ذلك فلنفترض أنّك تظن أنّه غير أخلاقي أن يُقتل الأطفال إن سبُّوا والديهم. ثم تقرأ فى سفر الخروج, الإصحاح21 “17- وَمَنْ شَتَمَ ابَاهُ أوْ امَّهُ يُقْتَلُ قَتْلا “. الآن إن كنت مهتماً بتوافق معتقداتك فهناك عدة خطوات بإمكانك إتخاذها. يمكن الإقرار بأنّ الكتاب المقدس غير معصوم و ربّما لم يقصد الرب ما نُسب إليه فى سفر الخروج. أو يمكنك التخلي عن فكرة أنّ الأخلاق مصدرها الرب. أو أخيرا ًيمكن القبول بأنه نعم رغم كلّ شىيء لا توجد مشكلة فى قتل الطفل الّذي يهين كبيره.حينما تفكّر في أى من هذه الخيارات و بالفعل تغيّر مجموعة معتقداتك بشأن الأخلاق و الروحانيات و سلوكيات الأطفال, حين إذ قد أنخرطت في تطبيق “التوازن الفكري”


شهادة بول رايان
في فصل الربيع الماضى دُفع بول رايان إلى عمليّة توازن فكري عندما عارض أستاذ في جامعة جورج تاون “سوء استخدام رايان المستمر للتعاليم الكاثوليكيّة من أجل الدفاع عن مشروع الموازنة الذى يقضي على برامج الغذاء للعائلات الكادحة و يقلل بشكل جَلي حماية كبار السن و المرضى و يعطى تسهيلات ضريبية أكثر للقلّة الأغنى” و أشار الموقعون على الخطاب إلى عدم التوافق الواضح بين إلتزامات رايان الدينيّة و مواقفه السياسيّة قائلين له:
يبدو أنّ رؤيتك للموازنة تعكس قيم فيلسوفتك المفضلة أيان رانديان بدلا من إنجيل يسوع المسيح. فدعوتها للأنانيّة و عدائها للدين منافيان تماماً لقيم الإنجيل التي تدعو إلى التعاطف و المحبة.
الرسالة واضحة, إمّا أن تكون مخلصاً لرانديان أو للكاثوليكيّة ولكن ليس للإثنان معاً. بالتأكيد لا يمكنك تحريف مبدأ التضامن الكاثوليكي لتدافع عن الموازنة. و في رد رايان على هذا الإدعاء انكر الفرضيّة الأساسيّة للأستاذ الجامعي:
لقد اتهم الأب الأقدس نفسه، البابا بنديكت, الحكومات و المجتمعات و الأشخاص اّلذين يسيرون حياتهم وفق مستوى مديونيّة عالي أنّهم يعيشون على حساب الأجيال القادمة و يحيون حياة غير صادقة”

التعليقات مغلقة

نشر