كلمتي (كلا وكلتا) وعلاقتهما بالمنطق

كلمتي (كلا وكلتا) وعلاقتهما بالمنطق بما فيهما من المعنى العقلي، بالإضافة إلى المعنى اللغوي وعلاقة ذلك بالإعراب لكل منها.
وفي البداية لا بد أن نشير إلى علاقة المنطق بالنحو العربي، وليس هنا مجال الحديث عن تلك العلاقة المعقدة، وهي مثار جدل وخلافات منذ القدم، حيث يرى كثير من القدماء ومن المحدثين أنها علاقة قائمة منذ نشأة النحو وبروز قوانينه بتأثير من المنطق والفلسفة الإغريقية لا يمكن إنكاره، وتعرض للبحث فيها بعض المستشرقين مثل نيلدكة، وهو يرى أن هذا الأثر قائم خصوصاً من المنطق الأرسطي(1).
وأما القدماء فمنهم أبو حيان التوحيدي وأستاذه أبو سليمان السجستاني ومنهم أيضاً علي بن عيسى الرماني المتوفى سنة 384هـ ـ 994م.(2)
أما بالنسبة لكلمتي (كلا وكلتا)، فلا بد أولاً من مقدمة منطقية بسيطة تساعدنا على فهم موضوعهما: ولذلك فعلينا أن نعرف بأن [المعنى العام (أو الكلي) ينقسم إلى قسمين هما: المعنى (الجمعي) والمعنى (الاستغراقي)؛ فالمعنى الجمعي يدل على مجموع الأفراد الداخلين تحت (ماصدقه) ككلّ، مثل (إنسان) بمعنى الناس أجمعين. بينما المعنى الاستغراقي يدل على كل فرد من هؤلاء الأفراد، مثل: (كل إنسان) أي كل واحد من الناس. ولهذه التفرقة أهمية خاصة لأن ما يصدق على الكل ككل، قد لا يصدق على الكل كأفراد، فإذا قلنا مثلاً: الألمان في حرب مع الإنكليز، فإننا نستخدم هنا اللفظ (الألمان) واللفظ (الإنكليز) بمعنىً جمعي لا بمعنى استغراقي؛ أي بمعنى أن الألمان كأمة يحاربون الإنكليز كأمة، لا بمعنى أن كل ألماني أو إنكليزي يحارب فعلاً](3) وعلى هذا الأساس نستطيع أن نفهم لماذا يأتي الفعل بعد (كلا وكلتا) بصيغة المفرد حيناً وبصيغة المثنى حيناً آخر: فعندما نستعملهما بمعنىً جمعيّ يجيء الفعل بعدهما بصيغة التثنية بالضرورة مثل: كلا الطالبين فهما الدرس. أما عند استعمالهما بمعنى استغراقي فيجب أن يكون الفعل بعدهما بصيغية المفرد، مثل: كلاهما فَهِمَ الدرس. ومنه قول الفرزدق يصف فرسه:
كلاهما حين جدّ السير بينهما قد أقلعا وكلا أنفيهما رابي
(كلاهما قد أقلعا). بمعنىً جمعي. (كلا أنفيهما رابي) بمعنىً استغراقي.
رابي = رابٍ : خبر كلا مرفوع وعلامة رفعه الضمة المقدرة على الياء المحذوفة، وأصلها (رابِيٌ) وبالطبع فالياء هنا منقلبة عن واو [لأن الفعل ربا ناقص واوي: ربَوَ = ربا = يربو = رابِوٌ = رابِيٌ = رابٍ.]
وأما الياء الموجودة في الكلمة (رابي) فهي للإطلاق وإشباع للكسرة، وهي لضرورة القافية.
————————————————-
(1) راجع: عبدالرحمن بدوي ـ المنطق الصوري والرياضي ط2 ـ مكتبة النهضة المصرية ـ 1963م (ص34و35 الهامش) بتصرف .
(2) المرجع السابق ـ (ص31 ـ 43) ويشير هذا المرجع إلى نشأة النحو وعلاقته بالمنطق والصراع بين المناطقة والنحاة.
(3) المرجع ذاته ص55 بتصرف