التصنيفات: صحة مترجم

كلا الجزّارين في الجحيم (حكاية شعبيّة من رومانيا)

يومًا ما في قديم الزمان، عاش أخوان يعملان في الجزارة، أحدهما غني تبدو عليه سيماءُ الشر، والآخر فقيرٌ ترتسمُ على مُحيّاه ملامحُ الطيبة، ولأن الأخ الفقير لم يكن بمقدوره أن يذبح بنفسه، فإنه كان يُساعد أخاه، ويتلقّى أجرًا زهيدًا نظير ذلك.ذات مرةٍ ذبح الأخُ الغنيّ كثيرًا من الماشية، وبذل أخوه الفقير في مُساعدته جهدًا مُضنيًا؛ إلا أن هذا العمل المُرهق كان نظيره قطعة صغيرة من النقانق، أعطاها الغنيّ لأخيه الفقير، الذي بدت في صوته نبرةُ الحزن، حين قال: “أعطني قطعةً أخرى من النقانق، فهذا حقي.” فردّ الأخُ الغنيّ بحنقٍ وهو يُلقي له بواحدة: “خذ هذه، ولتذهب إلى الجحيم!”. سار الأخُ الفقير في هدوءٍ إلى بيته ونام حتى صباح اليوم التالي، وبعدما استيقظ من نومه، حمّر واحدةً من النقانق، لكي يأخذها معه في الطريق، فيما علّق الأخرى على عصاً معه، تمامًا كما يفعلُ الغجر، عندما يُحضرون اللحمَ من السوق، وحمل كلتا القطعتين من النقانق على ظهره وأخذ يشّقُ طريقه إلى الجحيم.ولأن الجحيم بعيدةٌ كما يُمكن لكم أن تتصوّروا، فهم لم يصل إلى هناك إلا في صبيحة اليوم التالي؛ كانت الشياطينُ قد ذهبت لتوّها إلى العمل في الغابة. وحدها جدّةُ الشياطين كانت جالسةً في المنزل تنظر من النافذة. حيّاها الجزّارُ بوِّدٍ: “عمتِ صباحًا، أيتها الجدّة، كيف حالكٍ؟”. أجابت الجدّةُ: “أنا بخيرٍ، ولكن ما الذي جاء بك إلى هنا؛ فليس هناك انسانٌ يأتي إلى هنا طواعيةً.” ردّ الجزّار الفقير: “وأنا أيضًا لم أكن لأتي إلى هنا من تلقاء نفسي. وحده أخي هو من أرسلني إلى هنا بصحبة هذه الواحدة من النقانق!. ومدّ يده بالعصا وعليها واحدةُ النقانق، فأخذتها الجدّةُ من النافذة وشكرته، ودعته للدخول إلى الجحيم. فردّ عليها مُبتهجًا: “لكم يُسعدني أن أفعل هذا؛ فهذه النار الكبيرة لديكِ يُمكنها تدفئتي وتدفئة النقانق، لأن الجو هنا قارسُ البرودة”.

فعلت جدّةُ الشياطين كل شئِ مُمكنٍ لأجل راحته، وقُبيل المساء أخفته تحت السرير حتى لا تجده الشياطين، عندما تعودُ إلى البيت جائعة. بعدها بقليلٍ عادت الشياطينُ وهم يصرخون: ” أحضروا لنا الطعام، فياله من ألم شديد هذا الجوع!. نحن نشمُ رائحة انسانٍ بشريّ، أليس كذلك؟. ومن ثمّ دخلوا جميعهم الغرفة يتشممون ويتحسسون. هدّأت الجدةُ العجوز من روعهم وهي تضعُ المفتاح على الطاولة تقول أنه كان هناك انسانٌ بالفعل في الغرفة واختفى من تلقاء نفسه، ولكن رائحته ما زالت موجودة.

سعدت الشياطينُ بهذا النبأ وأكلوا حتى شبعوا، ثم اتجهوا مُتخمين إلى أسرّتهم، وناموا حتى الصباح الباكر، واستيقظوا ذاهبين إلى الغابة. في الصباح التالي استدعت الجدّةُ العجوز الجزّار من تحت السرير وقالت له: ” تستطيعُ الآن الذهاب إلى البيت وأنت مُطمئن.” ثم أخذت إحدى الشُعيرات التي سقطت من أحد الشياطين وأهدتها إلى ضيفها وقالت: ” ما إن تصل إلى بيتك، ستجد أن هذه الشعرة تنطوي على كنزٍ كبير!”. شكر الجزّارُ لهن حسن الإستقبال والهدية وقال لهن بأريحيةٍ كبيرة: ” بارككِ اللهُ، أيتها الجدّة.” قفل عائدًا إلى البيت. وعندما وصل إلى المنزل، وجد أن الشعرة قد تحوّلت إلى شجرةٍ كبيرة من الذهب الخالص. بذلك أصبح رجلاً ثريًا، أغني بكثيرٍ من أخيه، وأصبح يذبح الذبائح بنفسه، ويعاونه في ذلك غلمانٌ صغار.

أصبح أخوه حاقدًا عليه ولم يُطق طويلاً أن يبقى أفقر من أخيه، خاصةً بعد أن عرف كيف أصبح أخوه غنيًا بهذا الشكل. في أحد الأيام أخذ واحدة من النقانق ذوات الحجم الكبير جدًا وذهب بها إلى الجحيم. وصل في اليوم التالي ورأي جدّة الشياطين تقفُ في النافذة. فنادي عليها مُتهكمًا دون أن يُلقي عليها تحية الصباح: “ماذا تفعلين عندك أيتها الساحرةُ العجوز؟”. ردّت عليه قائلةً: “كنتُ أنتظرُ النقانق التي ستحضرها، هيا ألقها إليّ”. فأجاب طلبها ساخرًا: “لن تستطيع أسنانُك المُتهالكة أكل تلك النقانق، لقد أحضرتها للشياطين، وأريدُ في مُقابلها شجرةً ذهبية”. هنا ردّت العجوز قائلةً: “حسنًا، فلتدخل وتنتظر هنا حتى تأتي الشياطين في المساء من الغابة”.

دخل الجزّار وجلس على كرسيٍّ خلف الباب. عندما عادت الشياطينُ في المساء والجوع يفتكُ بهم، صرخوا قائلين بلسان الحال: “أحضروا لنا الطعام، فياله من ألم مُمّض هذا الجوع”. لكنهم ما لبثوا أن اشتّموا رائحة الوافد الجديد، وقالوا: ” نشمُ رائحة انسان بشريّ”. فردّت عليهم الجدة: “اللحم المُحمّر خلف الباب”. فانقضت الشياطينُ على الجزار ومزقت جسده إربًا إربا.

أما الجزّار الذي كان فقيرًا، فقد آلت إليه ثروة أخيه الطمّاع. هكذا هو حالُ الدنيا، الجزاءُ دومًا من جنس العمل.

حكاية شعبيّة من إقليم ترانيلفانيا، رومانيا.ترجمة: محمد ناصر المصدر

التعليقات مغلقة

نشر