التصنيفات: صحة مترجم

قريباً، سينقرض الصحافيّون

هل سنصل إلى زمن  تسيطر فيه التكنولوجيا على الإنسان ؟

نظريّة يرفضها المؤرخون و علماء الإجتماع حيث يجدونها سطحيّة لا ترتكز على شيء حسّي.

ما لا يدركه هؤلاء، أنّ عالم المداولات، البورصة و التمويل يرتكز حاليّاً على التبادل الأوتوماتيكي الإلكتروني، أكثر المجالات حساسيّة و تأثيراً في العالم تحرّكه خوارزميّات مشكّلة أوتوماتيكيّاً قادرة على تحديد قيمة الأسهم و تنبّأ حركتها التصاعديّة أو التنازليّة بدقة تفوق دقة أي متداول أو تاجر أسهم ماهر.

من ناحية أخرى, بدأت مجلات عالميّة  كمجلّة Forbes، بالتعامل مع شركة Narrative science بهدف تكوين مقالات إقتصاديّة أوتوماتكياً لتحليل نتائج المداولات و البورصة، قد تظهر لك هذه المسألة معقّدة و غير قابلة للتطبيق،

لكن في الحقيقة هذا الأمر سهل بعض الشيء، فقد برمجت هذه الشركة خوارزميّات ذكيّة تقوم بقراءة نتائج و إحصاءات البورصة و التبادلات، ثم تحلّل تلك الأرقام و المعلومات و تحوّلها إلى مقالات تحليليّة مفهومة.

الصحافي  المبرمَج آخر إبتكارات علم البرمجة ؟

صحافي إلكتروني مبرمج قادر على تحليل البيانات، الإحصاءات و الأرقام بثواني، من ثمّ تحويلها إلى مقالات مركّبة بشكل متقن، قدرة هذا الصحافي قد تفوق قدرة “الصحافي الإنسان” من ناحية سرعة و دقّة تحليل الإحصاءات و بلورتها إلى مقالات.

” الخوارزميات   الذكية” أو “الصحافي الإلكتروني” قد تستعمل بشكل واسع في ميادين الرياضة و الإقتصاد حيث تتشابه المقالات من ناحية الشكل و تختلف في المحتوى بحسب النتائج الرياضيّة أو الإقتصاديّة, ماذا عن المقالات السياسيّة ؟ هل من الممكن إستعمال هذه الخوارزميّات الذكيّة  لكتابة مقال سياسي تحليلي ؟

قد يكون الأمر صعب في حال أردنا تحليل فضيحة واترغايت مثلا،  لكن ماذا لو أردنا كتابة مقال تحليلي يتحدّث عن الإنتخابات الأميركيّة  و توجهات الناخبين ؟ في هذا الصدد،  قامت شركة Narrative science حديثاً بتطوير خوارزميّات جديدة تقوم بتحليل كل ما هو مكتوب على  صفحات التواصل الإجتماعي كتويتر، فايسبوك و غوغل+  له علاقة بشكل مباشر أو غير  مباشر بالإنتخات الأميركيّة، مثلا ما إسم المرشّح الأكثر تواترا على تويتر و فيسبوك ؟ ما رأي عامّة الشعب بالمرشّحين ؟ بعد هذه التحليلات السريعة، يقوم الروبوت الصحافي بهيكلة مقال تحليلي كامل يتناول هذا الموضوع بشكل دقيق و مفصّل.

هل يستطيع “الصحافي الإنسان”  أن يقوم  بذلك ؟ طبعاٌ لكن كم من الوقت سيستغرق لتحليل كل ” التويتات أو التغريدات” و “البوستات الفيسبوكيّة ” التي تتناول هذا  الموضوع  بدقة  ؟

جرائد عالميّة بدأت بشراء مقالات كوّنتها الخوارزميات

أكّدت جريدة نيورك تايمز أنّها بدأت تشتري مقالات تحليليّة مكتوبة أوتوماتيكياً بأقل من  10 دولارات  من قبل “الروبوت الصحافي”، لأن كلفة هذه المقالات أقل بأضعاف من كلفة مقالات مكتوبة من قبل “الصحافي الإنسان”.

الصحافيّون يهاجمون القيّمين على الشركة

تتعرّض  شركة Narrative science لهجوم حاد من قبل صحافيين  كثر، إذ يعتقدون بأنّه تحاول إستبدالهم بروبوتات صحافيّة، لكنّ الشركة تقول أنّها تسعى لتسهيل عملهم و توفير الوقت الكافي لهم لتحضير تحقيقات و مواضيع مهمّة، و لا  تسعى لأخذ مكانهم !

تحصيل المال الهدف الأساسي و ليس  المعرفة

كل ما يهم الجرائد و المجلاّت الإلكترونيّة هو ربح المال من زوّارها، نعم أصدقائي إنهم يختارون المقالات تبعاً لأذواق القرّاء  و لا يهمّهم أبداً تنويركم بالمعلومات  أو تثقيفكم بشكل جيّد,

إنّ نوعية المقالات تختار حسب طلب القرّاء غير المباشر ، و ليس هناك أفضل من الخورزميات الذكيّة لإكتشاف أذواق القرّاء، هل تعلمون أنّ أي كبسة،  قراءة مقال ، بحث على غوغل، مشاهدة فيديو أو شراء أحجية على الإنترنت، بإختصار أي حركة تقومون بها على الإنترنت تبقى محفّظة في  قواعد البيانات  و يتم إستعمالها لإظهار  دعايات على المواقع  تتناسب مع أذواقكم و توجهاتكم، مثلا إذا كنت مولع بالموسيقى و عزف الغيتار  و كنت فد إشتتريت أو بحثت عن ألة عزف موسيقيّة فتأكد أنّك ستجد في اليوم التالي على المواقع التي ستزورها دعايات لمواقع تبيع آلات موسيقيّة أو  تعرض مقطوعات عزف.

ستقوم شركة Narrative science حتماً بتطوير هكذا خورزميّات من أجل إنتاج مقالات تتجاوب مع متطلّبات القرّاء و توجهاتهم.
مثلاً، لو إفترضنا أنّك طالب في كليّة الأعمال و الإقتصاد، و تشاهد يوميّاً فيديوهات تتعلّق بأزمة الديون في أوروبا وتأثيرها على السياسات العالميّة، ثمّ تقوم بالإعجاب (Like) بأكثر من “بوست” فيسبوكي ينتقد طريقة فرنسا و ألمانيا بإدارة هذه الأزمة، بعدها تقوم بريتويتات على Twitter لمقالات تتضمّن معلومات عن الأزمة ،  فتأكّد أنّ تلك الخوارزميات ربّم ستملك القدرة على إنتاج مقال شخصي ، بعد تحليل كل حركاتك على الإنترنت، موجّه فقد لك  يتناول هذا الموضوع بشكل يناسب تطلّعاتك يحتوي على إحصاءات و أرقام تتطابق مع أفكارك.

بهذه الطريقة ستضاعف “شركات الجرائد و المجلات ” أرباحها عبر صنع علاقة شخصيّة ملعونة  مع القارىء عبر تلك المقالات التي قد تنتجها هكذا خوارزميات بثواني !!

من المؤكّد أنّ نوعيّة  مقالات هذه الصحف ستتردّى بعض الشيء، لكن ما يهم  “شركات الجرائد و المجلات “  هو ربح المال و جذب أكبر عدد من القرّاء، لذا قد تقوم بالتخلّي عن بعض صحافيّيها في بادىء الأمر لأنّ كلفة “الصحافي الروبوت”  أقل بكثير من كلفة “الصحافي الإنسان” مع فارق كبير في الإنتاجيّة لصالح “الصحافي الروبوت “، و قد تتخلّى عن جزء كبير من صحافيّيها و تستبدلهم بمبرمجين يعملون  على تطوير هذه الخورزميات.

أخيراً، قمت بكتابة  هذا المقال بعد قراءة و تحليل حوالي  عشرة مقالات إنكليزيّة و فرنسيّة تتناول هذا الموضوع مع إضافة بعض الأفكار  و التحليلات الشخصيّة، أعتقد أنّ ما قمت به قد تقوم به هذه الخوارزميات المستقبليّة بثوان عوضا عن ثلاثة أيام.

قريبا ربما ينقرض الصحافيون، وربما سنصل إلى زمن  تسيطر فيه التكنولوجيا  و الذكاء الإصطناعي على الإنسان صانع تلك الإبداعات.

أحمد شمس الدّين

التعليقات مغلقة

نشر