فلاديمير ايليتش أوليانوف (لينين)

في عام 1924م توفي فلاديمير ايليتش أوليانوف، الذي يشتهر باسم (لينين) صاحب أجرأ تجربة اقتصادية في التاريخ. كان في صباه رزيناً يميل إلى الكآبة والاستغراق في التأمل، وقلما شارك زملاءه الطلبة في ألعابهم ورياضتهم. فلما كبر لم يهتم بالموسيقى أو الشعر او الدين، بل انصرف إلى دراسة الحقوق، وإتقان اللغات الفرنسية والألمانية والإنكليزية والروسية.
شنقت الحكومة الروسية شقيقه لتآمره على القيصر اسكندر الثالث، وما عتمت أن نفته إلى مجاهل سيبيريا لآرائه المتطرفة. وهناك لمس لينين الفقر المدقع الذي يعيش وسطه الفلاحون المساكين الذين لم يكن ليتاح لهم أكل اللحم إلا في المناسبات الدينية الكبرى، أي زهاء عشرين مرة في السنة كلها.
ورافقته زوجته إلى المنفى لتعنى به وتقوم على خدمته. وفي مجاهل سيبيريا وجد لينين متسعاً من الوقت فأتقن لعبة الشطرنج حتى بات في استطاعته أن يشترك في عدة مباريات في آن واحد، فضلاً عن أنه كان يلاعب أصدقاءه في لعبة الملوك هذه بالمراسلات البريدية.
وحلت المجاعة الكبرى سنة 1891م فهلك الملايين من الفلاحين من الجوع ووبائي التيفوس والهواء الأصفر (الكوليرا) فما لبث لينين أن اقتنع بان الواجب الوطني يقضي بعمل شيء ما لإصلاح الحال. فتحول مذ ذاك إلى رجل ثوري ناري.
وخلال السنوات الخمس والعشرين التي أعقبت تلك الفترة العصيبة عاش لينين طريداً شريداً، يقيم تارة في المانيا، وطوراً في النمسا، وفرنسا، وبولونيا، وسويسرا، وإنكلترا. وفي أثناء إقامته في لندن كان يتردد إلى دور الكتب الكبرى فيجلس الساعات الطوال أمام مؤلفات كارل ماركس، أبي الاشتراكية.
وكم تنكّر بازياء الفلاحين والبحارة وعملاء المصانع تخلصاً من الوقوع في أيدي السلطات، وكم ارتدى من الأثواب النسائية، ووضع الشوارب الاصطناعية هرباً من الملاحقات التي كان يستهدف لها.
وضع أحد كتبه الثورية في السجن، ولكنه لم يكتبه بالحبر بل بالحليب خوفاً من افتضاح أمره ومصادرته. ولم تكن قراءة الكتاب ميسورة إلا بعد غسل صفحاته بالماء الحار.
وفي تشرين الثاني 1917م أصبح لينين دكتاتور روسيا، فصادر جميع الأراضي والأملاك الخاصة، وهرب من هرب من أصحاب الأملاك الواسعة نتيجة لاستيلاء الفلاحين على أملاكهم وأرزاقهم. وكان يعمل جاهداً بين ثماني عشرة ساعة وعشرين ساعة يومياً. وبعد خمس سنوات أصيب بتصلب في الشرايين، ثم بالشلل، وفقد حاسة النطق، وشلت يده اليمنى، فاضطر إلى تعلم الكتابة باليد اليسرى. وظل يصارع الموت ويغالبه مدة سنتين اثنتين قائلاً لمناسبة ولغير مناسبة: (إن ثمة اعمالاً كثيرة تنتظرني..). وكانت وفاته في 21/1/1924م.