التصنيفات: صحة مترجم

فردريك شوبان (أسطورة البيانو)

ولد فردريك فرنسوا شوبان في زيلازوفا فولا في الأول من آذار/مارس سنة 1810، وتوفي في باريس في 17 تشرين الأول/نوفمبر سنة 1849.

كان عازفاً بولنديّ المولد بموهبة عبقرية منقطعة النّظير في الآلات الموسيقيّة المفتاحيّة (مفاتيح البيانو). كانت موهبته كعازف لا تنافس، وكان له تأثير قوي على الموسيقين مقارنة بنسبة الحفلات التي قدّمها. فقد أدّى 30 أداءاً فقط أمام النّاس خلال 30 عاماً من التأليف. لا يوجد أحد قبله ساهم بكل هذه الأعمال الرّائعة للبيانو، أو اقترب من جمال روح ألحانه.

سنواته المبكرة:

كانت والدة شوبان بولنيديّة، ووالده فرنسيّ انتقل إلى بولندا وعمل بها قبل أنّ يتزوج والدته ليستقرّ بعدها في وارسو. تعلّم شوبان في صغره البيانو على يدّ فويتشخ زيفني، ومزج الألحان وانسجامها على يد جوزيف إيلسنر. قدم شوبان أول حفل له في الثامنة و تجاوز مهارة أساتذته بسرعة. أصبح اسمه معروفاً خارج بولندا عندما ألفّ تنويعته للبيانو و الأوركسترا على لحن موزارت ” لاكريموسا”، كتبها حين كان بسنّ السّابعة عشرة و نُشرت في عام 1830 بتوصية روبرت شومان المشهورة في الصحف الموسيقية العامة حين قال: ” ارفعوا القبعات أيها السادة! لدينا عبقري هنا!” في ربيع وخريف سنة 1830، أهدى شوبان لأهل وارسو مقطوعتين جديدتين، كونشرتين بيانو رائعين و شاعريين. ولكن حاجته لزيادة أفاقه دفعته لترك بولندا إلى فيينا في تشرين الثّاني في عام 1830، وبعد ثماني شهور قضاها هناك اتجه الى باريس و لم يعد الى بلاده بعدها مطلقاً، و كانت خسارة بولندا هذه انتصاراً لباريس.

الرحيل الى باريس:

بحلول عام 1830، أصبحت باريس عاصمة الثّقافة الأوروبيّة الأولى بلا منازع. كانت مرتعاً للأفكار الجديدة في الأدب و الفنون و مكاناً هاماً للرومانسية الموسيقية. حيث أخذ شوبان الخجول مكانة مهمة بين مشاهير العاصمة الفرنسية بسن 22 بعد الظهور الأول الرّائع له أمام الجمهور في سال بليل في شباط/فبراير عام 1832، مع فرانز ليست، وفيليكس ماندلسون، و لويجي شيروبيني. فوجد أنّ عمله و الطّلب الملح عليه كأستاذ يؤمن له عيشة مريحة، وعاشر أهمّ فنانين ذلك الوقت و كوّن صداقةً قوية مع إيغوين ديلاكرويكس الذي رسم لوحة رائعة لليست وشوبان عام 1838. أعماله في أولى سنينه في باريس تتضمن نوكتورنات (مقطوعات حالمة) المجلد التاسع والخامس عشر بين عامي 1830-1832. وايتودات (مقطوعات تعليمية) المجلد الخامس و العشرين الأثني عشر بين عامي 1835-1837 المهداة لعشيقة فرانز ليست الكونتسية ماري ديغوليت.

ألف ايضاً سكيرزو على سلم السي مينور (الصغير) التام، المجلد 31 لعام (1837)، وسوناتا لسلم السي مينور المجلد 1837، وبالاد على سلم الصول مينور المجلد 23. في عام 1836 خطب شوبان ماريا فودزينسكي، ولكن خطوبتهما ألغيت بعد عام من قبل عائلتها.

الوصول لقمم جديدة:

بلغ فن شوبان مرحلة جديده في عام 1830 بعد أن بدء علاقة عاطفية مع الكاتبة اروريه دوديفانت ( Aurore Dudevant) التي تكبره بست سنوات، و التي غيرت اسمها لاحقاً الى جورج ساند في عام1832. نشأت أروع أعماله كنتيجة للرضا العاطفي الذي شعر به أثناء ارتباطهما الذي استمر لتسع سنوات.  وقد قضيا شتاء عام 39-1838 معا في مايوركا، يعيشان في غرف متجاوره في دير كرتوزي مهجور. تحمّل شوبان نوبه السّلّ الرئيسية الأولى. وعلى الرّغم من مرضه الخطير تمكّن من اكمال المقدمات الموسيقية (البريلودات) ال24، المجلد 28 (1838-39). وخلال الأربعينيات من القرن التّاسع عشر،  وعلى الرّغم من التقلبات العاطفية و تكرر المرض، تمكّن من ابداع قوالب وأشكال استثنائية من المقطوعات الموسيقية التي تتضمن البلادات على سلم لا ( A-flat) للمجلد 47 وفا مينور للمجلد 52. والمازوركات (Mazurkas) للمجلدات 50،56،59،63،67. والبولينيز (Polonaise) على سلم لا ميجور (A-flat) المجلد 53. ونجد أيضاً النوكتورنات للمجلدات 48,55,62. والسوناتا على سلم السي مينور (B minor) المجلد 58 (1844).

كانت أفضل هذه الأعمال سوناتا السي مينور، ونوكتورنات المجلد 55 ومازوركات المجلد 56 — اللواتي يتميزن بالصّقل و التّعقيد الإستثنائي بالإضافة إلى الإحساس الجديد والغني بالتّناقض. فنجد شوبان في الحركة الافتتاحيه للسوناتا على قمة الإلهام، مازجاً الاضطراب مع الحنين الرّومنسي في تعبير سلس جميل .

بدأت حالة جورج ساند بالتراجع في عام 1843 و بعدها بثلاث سنوات و تحديداً في 1847 حلت الفاجعة. كان شوبان في ذلك الوقت مريضاً جداً وبحاجة ماسّة للخلاص والخروج. ترك باريس في نيسان عام 1848 لإقامة طويلة في انكلترا و اسكتلندا. عاد منهكاً بعدها في تشرين الأول حيث قضى السّنة الأخيرة من حياته دون تأليف أي شئ يذكر.

المؤلف و البيانو:

كان شوبان أول مؤلف يوجّه عبقريته لألة للبيانو فقط، فقد كتب كل أعماله إمّا للبيانو كأداة منفردة أو كتب لها مع الآت أخرى. جاءت غالبية مقطوعاته المنفردة على شكل مقطوعات قصيرة، و ذات طبيعة ارتجالية. وتشمل هذه المقطوعات 20 نوكتورن، 25 مقدمة (بريلود)، 17 فالس، 15 بولونيز، 58 مازوركاً، و27 مقطوعة تعليمية (ايتود). في أعماله هذه، وخصوصاً النوكتورنات و المازوركات والبريلودات ( المقدمات)، كانت عواطفه تتدفق وكانت رومانسيته دافئة مما أعطى رونقاً رائعاً للمقطوعات. و نجح شوبان أيضاً بالمقطوعات الطويلة، فمثلاً أعاد إحياء قالب السّكيرزو (لديه أربع مقطوعات من هذا النوع) واخترع قالباً يعرف بالبالاد بالإضافة سوناتاته. بالاداته الأربعة و سوناتاته صنفت من أعظم المقطوعات حيث جمع فيها لها الدّراما العاطفيّة و الحنان بطريقة لا تنتسى.

بمزجه الرائع بين التناغم والايقاع، أبعد شوبان القالب التقليديّ عن أعماله وفتح الباب أمام الغموض الرّومانسيّ الذي يأسر المستمعين. تتطلب مقطوعاته دقةً كبيرة من العازفين للتعبير عن مؤلفٍ ناضل بقوة ليصل للقمة. تراكيبه المتلاحمة و ألحانه المؤرقة أضافت بعداً جديداً لمدى وصوت البيانو، الأمر الذي لم يستطع أحد من قبل الوصول اليه. وكل الذين جاءوا بعده عرفوا هذه الأمور باسمه، وينطبق نفس الأمر على التّناغم بالألحان الذي يمكن للمرء أن يلاحظه من خلال مقطوعاته التي تحمل رونقاً شاعرياً رائعاً. صحيح أنّ أعماله كانت أقل عدداً من معاصريه، ولكن كل مقطوعة له كانت جوهرة.

المصدر

ترجمة فريق مترجم

التعليقات مغلقة

نشر