التصنيفات: مترجم

عندما يصبح العقل عبدًا للمجموعة

شاركها

  • Facebook
  • Twitter
  • Google +

عندما يصبح العقل عبدًا للمجموعة

لكي نحاول تغيير أي مجتمع؛ علينا في البداية أن نفهمه، علينا تحليل محركاته، وكيفية تأثير أفراده بعضهم ببعض، وعلينا أيضًا تحليل عيوبه، إذ إن محاولة تغيير ما لا نفهمه إمّا أن تكون هباءًا منثورًا بسطحيتها، أو ربما تحيد إلى اتجاهات غير مقصودة بفوضويتها، خصوصًا إن لم تكن مرتكزةً على أسس ثابتة. نضع هنا أحد المداخل لفهم المجتمع من خلال استعراض تجربة تعد إحدى أهم التجارب في علم النفس.

بدايةً سنطرح بعض الأسئلة:
هل أنت من يتخذ القرار أم تلجأ لغيرك لاتخاذ القرارات؟ ما مدى تأثير الآخرين في القرارات التي تتخذها؟ ما مدى ميلك أو خضوعك لرأي الأغلبية مشكّكًا في ما تراه أمامك؟
والأهم من ذلك ما مدى قدرتك على النظر بموضوعية وتوجيه أصابع الاتهام لنفسك قبل أن تفكر في توجيهها للآخرين؟ وما مدى رضوخك للضغط الاجتماعي؟

في خمسينيات القرن الماضي أجرى العالم سولومون آش مجموعة من التجارب لاكتشاف مدى تأثير توافق المجموعة على تقديرات الفرد وقراراته، واقتباسًا عن آش بما يتعلّق بالآراء والضغط الاجتماعي: «يقوم الطفل بترويض لهجته الساذجة إلى أبسط تفاصيلها؛ يقبل عضو في قبيلة آكلي لحوم البشر فعل أكل لحوم البشر لكونه ملائم وصحيح تمامًا، فإلى أي مدى تقوم القوة الاجتماعية بتقييد آراء البشر وسلوكياتهم؟»

قامت التجارب على إيهام مجموعات من طلاب الجامعات الذكور في أنهم مشتركون في تجارب بسيطة للإدراك الحسّي البصري، بحيث يوضع كل فرد خاضع للتجربة مع مجموعة. تتكون المجموعة الواحدة من سبعة إلى تسعة أفراد، أحدهم هو العضو الفعلي الخاضع للتجربة والبقية ممثلون متواطئون في الدراسة دون علمه؛ أي كان الممثلون على علم بالهدف الحقيقي للتجربة، لكن تم تقديمهم للفرد الخاضع للتجربة على أنهم مشاركون آخرون في فحص الإدراك الحسّي البصري.

يتم عرض عدة زمر من الصور في غرفة التجربة، وتتكون الزمرة الواحدة من صورتين؛ الأولى صورة لخط عمودي على جهة (اليسرى مثلاً) والأخرى على الجهة المقابة (اليمنى في هذه الحالة) لثلاثة خطوط عمودية مختلفة الأطوال، أحدها طوله يطابق طول الخط على الجهة اليسرى موضوعًا إلى جانب خطّين آخرين أحدهما أقصر منه والآخر أطول، وكانت فروقات الأطوال واضحة لدرجة أن نسبة الإجابة الصحيحة لأي شخص يُسأل تقارب 100%

كان السؤال بسيطًا: أي من الخطوط الثلاثة هو بنفس طول الخط المعروض في الورقة الأخرى؟

كان يُطلب من المشتركين الإجابة شفهيًا بحسب ترتيب جلوسهم (يبدأ الممثلون بالإجابة ويُترك المشترك الخاضع للتجربة ليجيب آخرًا).
في أول زمرة، أجابت جميع المجموعة إجابة صحيحة ثم تم تقديم الزمرة الثانية وأجابت المجموعة أيضًا إجابة صحيحة. تم فعل ذلك للتقليل من شعور الفرد الخاضع للتجربة بالتصادم مع المجموعة وبالتالي تقليل شعوره بالشك.

يبدأ الإرباك عند عرض الزمرة الثالثة من الصور إذ يبدأ الممثلون بالإجابة بحسب ترتيبهم مُجمعين على إجابة خاطئة، ثم يجيب الفرد الخاضع للتجربة الإجابة الصحيحة وهو متفاجئ من إجابات البقية لكون الخطأ واضح. في الزمرة التي تليها يقوم الممثلون بأكملهم باختيار إجابة خاطئة واحدة أيضًا فيجيب الفرد الخاضع للتجربة إجابة صحيحة لكن التوتر والشك يبدآن بالتسرّب إلى عقله، ومع الإنتقال من زمرة إلى أخرى يزداد الشك والتردد في الإجابة فقد يبتسم محرجًا عند الإجابة أو يخفض صوته.

إن الفرد الخاضع للتجربة لا يعلم أن الاتفاق على الإجابات الخاطئة من بقية المجموعة هو جزء مدبر من التجربة وأنهم ينفذون التعليمات. يجد الفرد الخاضع للتجربة نفسه أقلّية مكونة من واحد في مواجهة رأي الأغلبية الموحد.

تتمخض هذه التجربة عن عدة من النتائج، أولها؛ التوجه الواضح عند البعض نحو قرار الأغلبية حيث أن ثلث الأفراد الذين تمت دراستهم اتبعوا رأي الأغلبية رغم كونه خاطئًا، بينما أجاب نحو 68% إجابات صحيحة رغم الضغط المتولد من الرأي المغاير للأغلبية، ثانيها؛ وضوح الفروق الفردية التي تباينت بين بقاء أفراد مستقلين برأيهم دون استثناء، وتبعية آخرين لرأي المجموعة في كل التجارب تقريبًا، وثالثها؛ بقاء ثلث الأفراد مستقلين بشكل تام، وتبعية ثلث للمجموعة في نصف أو أكثر من نصف التجارب.

لوحظ أيضًا أنه خلال التجربة تفوق أثر الرأي الموحد على أثر عدد أفراد المجموعة؛ أي أن الاتفاق الكلي التام بين مجموعة مكونة من أربعة أفراد أشد تأثيرًا من رأي أغلبية في مجموعة مكونة من عشرة أشخاص. إن هذه النتيجة تعني أنه إذا كان لدى الخاضع للتجربة من يوافقه الرأي الخارج عن توافق المجموعة فإن احتمالية اتّباع الخاضع للتجربة لرأي الأغلبية تنخفض وفي اللحظة التي يتخلى عنه من يوافقه الرأي (بخروجه من الاجتماع مثلاً) فإن احتمالية أن يعود المشترك في هذه اللحظة إلى اتّباع التوافق الجماعي أعلى.

لا يُقصد في تحليل هذه التجربة تقديس الفردانية كحلّ وخلاص أبدي للفرد، بل إلقاء الضوء على دور الفرد المنتسب إلى الجماعة والذي بافتراض أنه منتمٍ إليها أيضًا، ويسعى كعضوٍ فيها إلى تقدّمها وتصحيح مسارها لا الانسياق الأعمى الذي يؤدي إلى الجمود الفكري والعقائدي.

يبدو أن بعض الجماعات تخلط بين مفهومي الانتماء البيولوجي والانتماء الاجتماعي والسياسي؛ أي أن الكيان البيولوجي يميّز ذاته عن لاذاته ويستمر، ويصحّ هذا الكيان بانتماء الخلية له حيث تقوم الخلية بتنفيذ ما وجدت لأجله بحذافيره دون امتلاكها وعيًا بحد ذاتها، وينشأ الوعي فقط عن العمل المشترك بين الخلايا مع بعضها كوحدة واحدة متمثلةً بالدماغ، وأي خروج أو محاولة خروج عنها هو مرض وخلل وجب مهاجمته واستئصاله.

بينما يقوم الانتماء الاجتماعي والسياسي على العمل مع المجموعة وكجزء منها والتعاون بين أعضاءها بهدف تحقيق المنفعة المتبادلة والمحافظة على تماسكها ودفعها إلى الأمام ويتم هذا أحيانًا بتقديم النقد الذاتي والتجديد وطرح البديل.

إن الجماعات التي تخلط بين المفهومين فعلاً أو تمثيلاً رمزيًّا إما أن تقوم بذلك بلا وعي بسبب الحرص الزائد على التماسك، أو بوعيٍ بدائي عاطفي مغلوط، أو بوعي دفاعي مقصود وممنهج لتحييد أي فرد يرغب في طرح ما لا يتفق مع ما تروّجه أو تقوم عليه الجماعة مما ترهل واندثر أو انتهت صلاحيته من أفكار. هنا علينا النظر بموضوعية إلى كل من يشعر بالرعب من وهم تخلخل توافق المجموعة من أي شيء أو ينشر الخوف الممنهج ضد كلّ شيء ويحاول إسكات كل رأي مخالف سواء من داخل المجموعة أو خارجها متّهمًا كل من يخالفه أنه مصدر الشر المطلق الذي قد يصل أحيانًا إلى حدٍ أسطوري وقد يشتدّ هذا العداء ليصل إلى ترويج وتصدير العنف أو الدمار والتحقير دون سببٍ موضوعي مقابل الإفراط في الذوبان الكلّي أو شبه الكلي المبني على تغييب العقل.

إلى أي مدى ستصل بالأخطاء لكي تتبع الجموع خوفًا من الرفض؟

مكبلون بالتبعية الفكرية نسير خلف الأغلبية باعتبارها تملك المستقبل بين يديها أو أن حياتنا ستكون أصعب خارج المجموعة. إن التطبيقات العملية للتجربة تنطبق على الحياة من أبسطها كالضحك على فكاهة معينة دون فهمها فقط لأن المجموعة التي حولك ضحكت عليها إلى أعقدها كالقرارات الاجتماعية والسياسية.
قد يبدو التغيير مستحيلاً لكن واقعيًا هو صعب وليس بمستحيل.

إن وجود أصوات تملك الجرأة الكافية لقول الحقيقة أمام الجميع وإن خالفوها قد تزعزع التوافقية المبنية على التبعية العمياء وتجعل البعض يعيدون دراسة قراراتهم. كل من يبقى متفرجًا أو غير مشارك في رأيه قد يشعر أنه لا يشارك في الخطأ لكنه فعليًا يُشعر من قد يتفق معه بالأفكار أنه وحيد ومرفوض إلى درجة يشك فيها بنفسه ويتبع الجماعة.
إن كل فرد له تأثير حتى لو لم يكن يعيه، إن الصمت والحياد هما جزءان من الشد العكسي، والخلاص الجماعي يكمن جزئيًا في النقد والتعبير والتوافق الجماعي المبني على عقل كل فرد كجزء من العقلية الجمعية لا على تغييب العقل.

في النهاية، المواقف هي التي تحدد، أأنت تفعل لأنك تريد أن تفعل أم تفعل لأن القطيع يملي عليك ما تفعل

المصدر المصدر

إعداد: لؤي ضباعين
تدقيق: حمزة مطالقة
تصميم: أنس ضباعين

التعليقات مغلقة

نشر