التصنيفات: صحة مترجم

عرّابُ القرن العشرين، نيكولا تسلا، يستحقُّ المزيدَ من الاعتراف بفضله

بحثت مقالةٌ حديثةٌ صدرت في الخامس من مايو في “نيويورك تايمز” بعنوان: “معركةٌ لحمايةِ اخفاقاتِ حالمٍ جريء” احتمالَ بيعِ بقايا مختبر نيكولا تسلا في وردنكليف في لونغ أيلاند، مما يعني احتمالَ ضياع آخر الآثار الفيزيائية لأحدِ أعظمِ العقولِ في تاريخ البشرية، كما تمثّلُ عمليةُ البيعِ هذه اهانةً اخرى لواحدٍ من أكثر الحالمينَ الذين هدفوا الى مساعدةِ البشريةِ جمعاء تعرضاً لسوء الفهمِ وعدم التقدير.

شهدَ عامُ 2006 الذكرى الخمسين بعد المئة لولادةِ احدِ أعظمِ العباقرة، المخترعُ الصربيُ الامريكي نيكولا تسلا. أطلقت منظمةُ اليونيسكو على العامِ 2006 اسم “عامِ نيكولا تسلا“. و بالرغم من اننا قد سمعنا بكلمة ” تسلا” كوحدةٍ لقياسِ شدةِ الحقلِ المغناطيسي ( كالحقل المغناطيسي الصادرِ عن جهاز الزنين المغناطيسي MRI ) وجهازِ التفريغ المغناطيسي (Tesla Coil) الذي نراهُ في أفلامِ فرانكشتاين الكلاسيكية وفي متحف بوسطن للعلوم, وفرقة الروك الشهيرة, واسمٍ لمطار بيلغراد, و كشخصيةِ الممثل دايفد بويَ في الفلم الشهير ذا برستيجThe Prestige“, او كاسمٍ لشركةٍ حديثةٍ تنتجُ السيارات الكهربائية, الّا أنَّ قليلاً من الناسِ يعرفُ المساهمات الهائلة التي قدمها لنا هذا الرجلُ الرقيقُ الجذابُ غريبُ الاطوارِ الذي يقفُ وراء هذا الاسم.

وُلِدَ عامَ 1856 لوالدين صربييَن في قريةٍ صغيرةٍ تدعى سميليان (Smiljan) (وقد زُرتها عامَ 1988)، في الامبراطورية النمساوية المجرية (تُعرفُ اليوم بـ كرواتيا). قصةُ قدومِ تسلا الى امريكا في الثامنة والعشرين من عُمرهِ حاملاً اربعَ سنتاتٍ في جيبه محوّلاً باختراعاته المجتمعَ الى ما هو عليه اليوم هي الجوهرُ الذي تقومُ عليهِ قصصُ جميعِ المهاجرينَ الذين صنعوا امريكا التي نعرفها اليوم. بعدَ استقالته من وظيفته مع توماس ايدسون الذي قامَ بخيانته، ابتكرَ المخترعُ الشابُ بمفرده نظامَ توليدِ التيارِ متعددِ المراحل (ويُعرَفُ بـ التيار المتناوب – Alternating Current أو اختصاراً AC) الذي تفوّقَ على تيّارِ توماس ايدسون المُباشر كطريقةٍ افضلَ لنقل الطاقةِ الكهربائية لمسافاتٍ طويلة وتحويلِ هذه الطاقة الى أعمالٍ ميكانيكيةٍ مفيدة.

سخّر تسلا في البدايةِ الطاقةَ الهائلةَ لشلَالاتِ نياغارا حيثُ قامَ ببناءِ أوّل محطةٍ لتوليدِ الكهرباء باستخدام الطاقة المائية هناك. تُخصِّصُ الدولُ جزءاً هامّاً من ميزانياتها لتطويرِ الطاقة الكهرومائية حيثُ يمكنُ أن تدومَ منافعُ الطاقةِ “المجانية” لقرونٍ عديدة (العديدُ من الجيغا واتس Gigawatts) كـما في الصين (سد ثري جوجيس-Three Gorges Dam-) و زامبيا ( سد كاريبا –Kariba Dam-) والولايات المتحدة ( سد هوفر –Hoover Dam-). تم تصميمُ صناعات الطاقةِ النوويةِ اليوم باستخدام نفس المبادئ الأساسية للطاقة الكهرومائية: حيث يُشّغل تمدّدُ البخارِ المولد التوربيني، موّلداً بذلك طاقةً كهربائيّةً. الـ 60 هرتز القياسية لتياراتنا المتناوبة تم وضعها من قبل تسلا. تصميماته للمولدات الكهربائية لا تزال تستخدم حتى يومنا هذا. كما طوّر تسلا ايضاً محركاً كهربائياً متعددَ المراحل (Polyphase Electric Motor) ليناسبَ التيّارَ المتناوب والتيَار المتحول مما يؤدي الى تحويلِ الجهد الكهربائي (Voltage) بكفاءةٍ وسهولة. الغسّالات وآلات التجفيف وآلات التخلّص من النفايات وغسّالات الصحون والثلّاجات والمحولات وأجهزة التدفئة والتكييف والمراوح، جميعها أمثلةٌ للأجهزة التي تعمل باستخدام المحرك متعدد المراحل كنواةٍ لها. جهازُ التفريغ المغناطيسي (Tesla Coil) واسعُ الانتشار في متاحفِ العلوم والأفلام يولّدُ جهداً كهربائياَ عالي التردد كافياً لتوليد البرق، كما فعل تسلا في مدينة كولورادو سبرينغز (Colorado Springs).

لاختراعاتِ تسلا استخداماتٌ عظيمةٌ تتجاوزُ الأجهزةَ المنزليةَ محدودة الاستعمال. بحوثُه في التردد العالي (high frequency) والجهدِ العالي (high voltage) قادت لتطوير المصابيح الضوئية المُشّعة، ومن المحتملِ جداً أنّهُ كانَ اوّلَ شخصٍ اخترعَ ودرسَ الأشعّة السينية (x-ray). كما كانَ لهُ دورٌ فعّال في تطويرِ أوّلِ مُسّرعٍ للجزيئات نظراً لمساهماتهِ في مجال التردد العالي والجهد العالي. اخترعَ تسلا مفهومَ “التحكم عن بُعد،” حيثُ صنعَ قارباً وغواصةً يتم التحكمُ بهما عن بُعد لصالحِ الجيش. لكن للأسف كان الجيشُ الامريكي بدائياً جداً في ذلك الوقت ليتفهّمَ مجالَ استخدامِ هذا الاختراعِ حتى سنواتٍ لاحقة. كانت رؤيةُ تسلا للحروب الحديثة تتضمنُ قتالاً بين الرجالِ الآليين والصواريخ بدلاً من القتالِ بينَ الجنود، مما يؤدي الى تخفيفٍ كبيرٍ في خسائرِ الأرواح البشرية. هذا يشابهُ كثيراً طريقةَ عملِ الجيش في العصر الحديث (على سبيل المثال: الطائرات بدون الطيار والصواريخ الموجهة)، الّا أنَّ حلفَ شمالِ الأطلسي (NATO) بقيادة الولاياتِ المتحدة قَصَفَ بهمجيّةٍ وبصورةٍ غيرِ مشروعة موطنَ أسلافه، مودياً بحياةِ مئاتِ المدنيين في صربيا عام 1999 باستخدامِ نفسِ التقنية التي اخترعها. ياله من اعترافٍ بالجميل من قادة امريكا!

كان تسلا اول شخصٍ يُقدمُ مفهومَ الرادار الحديث عام 1900 كما ابتكرَ أيضاً نموذجاَ أوليّاً لشمعة الاحتراق (spark plug) التي تستعملُ في السيارات في عام 1898. نيكولا تسلا كان الابَ الحقيقي للراديو (كما اعترفت به المحكمة العليا في الولايات المتحدة عام 1943 -بعد وفاته بشهورٍ قليلة) وليسَ جوليلمو ماركونيGuglielmo Marconi–  . كانت فكرةَ تسلا هي استخدامَ دارتين (احداها كمُرسِل والاخرى كمُستقبِل) لبثّ المعلومات والطاقة من احداها الى الاخرى وتخفيفِ الضجيج والتداخل مع أجهزةِ الارسال الاخرى. بدون هذا المفهوم لم يكن للراديو ايُّ فائدة. من المحتملِ أنَّ أجهزة التلفاز والأقمار الصناعيّة ونظامَ تحديد المواقع العالمي (GPS) والهواتف الخلوية جميعها صُنعت بفضل بحوثِ تسلا في التردد العالي وتطويره للبثِ الخلوي للطاقة. زارَ ماركوني مُختبر تسلا في نيويورك واقتبس اختراعاته دونَ اي اعترافٍ بفضله كمُخترع. للأسف مُنِحَ ماركوني جائزة نوبل عن تطويره للراديو وملايين الدولارات في احتفالاتٍ ملكيةٍ، بينما تسلا لم يُمنح ايَّ شيءٍ عن مساهماته.

كان نيكولا تسلا من اكثرِ المخترعينَ خصوبةً وإنتاجيةً في تاريخِ الانسانية بما يقاربُ 700 براءةَ اختراعٍ يعودُ الفضلُ له فيها. وبرغمَ ذلكَ ولعدةِ اسبابٍ معقدةٍ لم يُعزى لهُ الفضلُ في هذه الاختراعات. يعودُ السببُ في مُعظمِ اخفاقاته الى نقص الحسِّ التجاري لديه والمنافسةِ الشرسةِ من نظرائهِ وصعوبةِ تأمين التمويل الضروري لعمله.  وافتهُ المنيّةُ في عيدِ الميلاد الأرثودوكسي، في السابعِ من يناير سنة 1943 في فندقِ نيو يوركي, وحيداً فقيراً مُعدَماً. وتقبعُ اليوم بقايا جثته التي تم حرقها في متحفٍ في بيلغراد جنباً الى جنبٍ مع بعضِ أوراقهِ ودفاترِ ملاحظاتِ أعماله التي أفنى عُمرَه فيها.

أرغبِ بشدةٍ في أن يعرف الشعبُ الأمريكيُ المزيدَ عن نيكولا تسلا، ليس فقط لخلقِ نوعٍ من التقديرِ لجهودِ هذا الرجلِ الذي لم يتعب ولم يمل، ولكن أيضاً لما يمثّلهُ من الهامٍ لنا جميعاً وادراكٍ لما يمكنُ لرجلٍ واحدٍ فقط أن يحققه لتحسينِ العالم. قصةُ تسلا تُظهرُ أيضاً أهميةَ تمويلِ الابتكار والابداع في عصرٍ تهتمُّ فيه الشركات بزيادةِ الربحِ وتهملُ تمويل الأبحاث العلمية، كما تُبدي الحكومة الامريكية المُثقلةَ بتكاليف احتلالِ العراق اهتماماً أقلَّ بتمويل البحوث العلمية.

في أيامنا هذه أصبحنا نُقدّسُ أبطالَ التسليةِ والمُتعة الذين لم يساهموا الّا بالقليل لصالح البشريةِ، ولم نعد نعرفُ من هم الابطالُ الحقيقيون في مُجتمعنا -العلماءُ والمهندسون أمثال نيكولا تسلا – الذينَ ساهموا أكثر من غيرهم في جعل حياتنا أفضلَ وأسهلَ بجهودهم التي لا تَكَلُّ وتضحياتهم التي لم تُقابل بالعرفان والتقدير.

نيكولا تسلا يمكن أن يعتبر بحق الابَ الروحي للقرن العشرين، بل أكثرَ من ذلك. وحين جرى نقاشٌ حولَ عدم نسبِ الفضلِ له في انجازاته، علّق تسلا بقوله: “الحاضرُ لهم، أمّا المستقبل الذي أعملُ لأجله فهو لي.”

أحثُّ الجميعَ على معرفةِ المزيدِ عن أبطالِ البشرية المجهولين، وأن يحاولوا مداواةَ اهمالهم الفظيع بالاعتراف بفضلهِ في تاريخ الانسانية، وكبدايةٍ يجبُ اعلانُ مختبره في وردنكليف كصرحٍ وطنيِ تاريخي.

مخبر نيكولا تسلا

………………………………………………………………………………………………………………………………

ترجمة:عبد الرحمن المشعل

النص الأصلي: هنا

التعليقات مغلقة

نشر