التصنيفات: صحة مترجم

ضع الفشل في مكانه الصّحيح

هل قمت بافتتاح شركة تجارية ولكنك لم تعد تتمكن من دفع ديونها؟ أم هل طرحت منتجاً جديداً في الأسواق لكنه لم يفشل فشلاً ذريعاً فقط بل عبر المستهلكون عن استيائهم حياله؟ أم هل سبق لك وأن طردت من عملك؟

وما الذي يحدث حينما تتطلع وتحلم وتحاول تحقيق حلمك ومن ثم يبوء ذلك الحلم بالفشل؟


لكل منا عانى من تلك المشكلات ، إليكم تلك العبارة الجسورة التي أطلقها هنري فورد والتي أعترف بأني استخدمتها بشكل محرج هنا والتي يقول فيها: “الفشل هو السبيل الوحيد للبدء من جديد بطريقة أذكى وأكثر حنكة”، وبما أن فورد قد حقق نجاحاً منقطع النظير في نهاية المطاف، إلا أن ذلك القول المأثور يؤكد ويتجاوز بخفة عالية في آن معاً شفير الكارثة العاطفية الانفعالية التي تهز كياننا حينما نتعرض لحالة فشل، إذ لا فائدة ترجى من ذلك الكم الهائل من المقولات المأثورة التي أقتبسها وأنشرها على حسابي في موقع التواصل الاجتماعي تويتر وذلك لأنني حينما أفشل فإن ردة الفعل الأولى التي سأظهرها ستأتي على شكل مشاعر قنوط وتشاؤم وإحساس بالحاجة للرحيل إلى مدينة أخرى وذلك لأني لم أعد أجرؤ على مواجهة الناس، ومرة أخرى أميل لرأي مارغري إيلدريج هويل الذي يقول: “ثمة إحساس بالكرامة يظهر حينما يشعر المرء بالمعاناة، وشعور بالنبل خلال مرحلة الألم، غير أن الشعور بالفشل يمثل جرحاً مفتوحاً لا يلبث أن ينكأ مرات ومرات”.


لقد قارعت إحساس الفشل الذي كاد أن يودي بي مرات كثيرة وتوصلت إلى قناعة مفادها بأن الحلم لابد وأن يتحول إلى عملية مستمرة أو محرك للقيام بالتجارب، وذلك لأننا حينما نمارس عملية الإبداع والابتكار فإن تلك العملية من شأنها أن تدفعنا نحو منحنى التعلم الشخصي لنبدأ بعدها بمرحلة تحقيق الأحلام، بيد أن ما تنطوي عليه حالة التجرؤ على الخروج عن الوضع الراهن هو حالة الجرأة على التعرض للفشل، فحينما نتعلم من الأشياء التي نقوم بها ونمارس الأشياء التي تعلمناها قد لا ينجح أحد العناصر في آخر المطاف (ولابد لذلك أن يحدث) حيث يرى كين غابرييل وهو أحد الموظفين الذين كانوا يعملون في وكالة مشاريع الأبحاث المتقدمة التابعة لوزارة الدفاع الأمريكية بأن: “العنصر الرئيسي في عملية الانقطاع يكمن في القدرة على خوض تجربة فشل كبيرة” وعند الوصول إلى تلك المرحلة الحاسمة من عملية الاسترسال في الأحلام علينا أن نقرر الطريقة التي يمكننا من خلالها رؤية حالة الفشل، أي علينا أن نسأل أنفسنا ما إذا كانت حالة الفشل التي سنتعرض لها ستؤدي بنا إلى طريق مسدود أو أنها مجرد أداة ستساعدنا على القيام بعمليات ابتكار وإبداع أكبر وأكثر فاعلية؟


بالنسبة لمن يميل للسؤال الأخير عليكم أن تفكروا بالأمور التالية:


1- الاعتراف بحالة الحزن: فحينما تؤسس شركة تجارية أو تطرح منتجاً جديداً أو تحصل على عمل جديد تحلم بعالم مبسط بطريقة خطية: أي أنك تفكر بأنك ستعمل بجد لتحقق أحلامك، غير أن ذلك لن يجد نفعاً، فحياتي حافلة بالفشل منذ لم أتمكن من أن أصبح مشجعة فريق خلال أيام الثانوية (والذي أشعرني بالإحراج خلال تلك الفترة) وصولاً إلى تدمير خطاب كامل كان من المفترض أن ألقيه أمام مئات من البشر (ولازلت أشعر بالإحراج ذاته) بعد ذلك تعرضت لتجربة الطرد من الوظيفة ثم دخلت مشروعاً تجارياً كان على شفير الانهيار، وبغض النظر عن الشعور بالإحراج إلا أن قلبي كان مفعماً بالأسى، الأمر الذي أصابني بتعب شديد فبت أتخيل مستقبلي الذي كنت أحلم من خلاله أنني أحقق أحد أهدافه لأستقبل استقبال الفاتحين والأبطال، غير أني لم أتمكن من تحقيق ما أصبو إليه، ومن هنا تعلمت ضرورة الاستسلام للحزن، ولكن حينما نقوم بتصعيد أحزاننا فإننا يمكن أن نخسر حينها الشوق والرغبة في تحقيق الأهداف بالرغم من أن ذلك الشوق وتلك الرغبة تأتي بمثابة العنصر الأساسي الذي يحرك العملية الإبداعية.


2- التخلص من الإحساس بالخجل: إذا جعلت من حالة الفشل مصدراً لتقييمك بصورة شخصية عندها سيجثم الخجل على صدرك كعبء ثقيل يمنعك من تحقيق أحلامك، فبحسب ما ورد في أحد الأبحاث الرائدة التي أجريت حول حالات الخجل والحساسية الزائدة التي أجراها الدكتور برينيه براون فإن تلك الحالة تبلغ ذروتها لدى المحترفين في المجالات الرياضية أو في القوات المسلحة أو في بيئة العمل الخاصة بالشركات والمؤسسات التجارية، ولقد كتب براون حول ذلك ما اقتبسه من كتاب الشجاعة الكبيرة ما فحواه: “حينما تضحي روح الشعب فريسة لعبارة: “أقتل وإلا ستقتل” أو “سيطر وإلا سيسيطرون عليك” عندها سيصبح الفشل معادلاً لعبارة: “سيقتلونك”، وذلك لأنك حينما تظهر بمظهر الضعيف فإن ذلك سيعكس حالة متقدمة للشعور بالخجل، فمثلاً حينما فرغت من الخطاب التعيس الذي ألقيته بدا علي وكأني قد ركضت لمسافة ثلاثة أميال وذلك لأن العرق كان يغرق جسدي، أما بالنسبة للمشروع التجاري الفاشل الذي دخلته فقد كنت أسأل نفسي: أليس كان من الأجدر بي أن أدرس الوضع؟ وكيف أوهمت نفسي بأني مستثمرة ذكية؟ ولهذا يجب للخجل الذي ينتابنا حينما نقع ضحية للفشل ألا يتحول إلى قاعدة في حياتنا بل علينا أن نهمله في زوايا الذات، وإلا فلن يكون بمقدورنا أن نلقي خطاباً أمام حشد من الناس أو أن نقبل بأي وظيفة جديدة أو أن نستثمر أموالنا في أي شركة أخرى،

وذلك لأن الفشل لوحده لا يحد من الأحلام والإبداع بل إنه الخجل الذي يحد من ذلك، ولذلك حينما نسقط الخجل من تلك المعادلة فإننا حينها سنتخلص من ذلك العائق الذي يقف كحجر عثرة أمام عملية الإبداع وسنجد ما يدفعنا بسرعة نحو المزيد من الجرأة والإقدام.


3- تعلم الدرس الذي يناسبك: من الأسباب التي جعلت العبارة التي قالها هنري فورد يوماً تروق لنا هو السياق الذي ظهرت فيه تلك العبارة أي بمعنى أدق السياق الذي يدل على أن فورد قد فشل وتعلم وخرج من تلك التجربة مرفوع الرأس، وهذا بالضبط ما جعلني أعجب بمقولة جي. كي. رولينغ وهي: “أصبحت الحافة السفلية للصخرة الأساس المتين الذي أعدت بناء حياتي عليه من جديد”، فحينما نواجه حالات فشل مؤقتة خلال مراحل حياتنا أثناء عملية الإبداع التي ننتجها تتحول القصة التي ننسجها حول ذواتنا المحور الأساسي لتلك العملية، وذلك لأن ذلك لا يقتصر على تعلم درس، بل يتعداه إلى تعلم الدرس المناسب أو ما يصفه المعلم الروحي إيريك ريز بالنسبة لعملية البدء بالتعلم باسم عملية التعلم الصحيحة والتي بدورها توضح السؤال التالي: ما هي الحقيقة القيمة التي توصلت إليها من خلال مرحلة الفشل حيال تطلعاتك الحالية والمستقبلية فيما يتعلق بمرحلة الانطلاق (أو الحلم)؟ أي هل تعلمت مثلاً ألا أتحدث أمام الناس مرة أخرى؟ أم أنني اكتشفت بأن وقوفي على المنصة أصبح عائقاً يمنعني من إلقاء أي خطاب وزاد من عصبيتي، ولذا فقد تعلمت بأن ابتعادي عن المنصة ساعدني في إجراء حوار مع الجمهور والتواصل معه بطريقة أفضل، وهل تعلمت بانسحابي من المشروع التجاري الفاشل ألا أوظف أموالي في أي مشروع تجاري يديره أحد أصدقائي؟ أم أنني تعلمت أن أدقق جيداً عند اختياري لشركائي في المشاريع التجارية وهذا بحد ذاته شرط أساسي وواضح من قواعد الشراكة، وحول ذلك يعلق رايز بقوله: تعد عملية التعلم العنصر الأساسي لمرحلة التطور عند البدء بأي مشروع” بيد أني أحب أن أضيف: “التعلم هو العنصر الأساسي للتطور عند الاسترسال في الأحلام”.


وهنا أقول لقد حان الوقت لوضع الفشل في موضعه المناسب، وذلك لأن الوصول إلى مرحلة الفشل بالنسبة لمعظمنا يجعل أدمغتنا تستسلم لحالة عدوانية في التعاطي مع الأمور، مما يدفعنا نحو شفير الهاوية من الناحية الانفعالية العاطفية وحينما نصل إلى هناك لابد لنا أن نضحي فريسة سهلة للخجل الذي قد يودي بنا، بيد أنه آن لنا أن نتخلص من حالة الخجل التي تعترينا وأن نرى الفشل على حقيقته باعتباره فرصة لتعلم حقائق عظيمة ونقطة انطلاق سواء في مجال العمل أو طرح أي منتج جديد أو أي فكرة جديدة في ظل عالمنا الشغوف بالإبداع والابتكار، ولابد لذلك أن يترك عظيم الأثر على حياتنا، الأمر الذي يجعلنا على استعداد ليس فقط لاستثمار عقولنا بل لاستغلال قلوبنا وعواطفنا أيضاً، وذلك أمر يستحق أن نحلم به بحد ذاته.

……………………………………………………………………………….

ترجمة : ربى خدام الجامع من سورية – الموقع المميز –

تدقيق : الكاتبة هنادي العنيس

المصدر : http://blogs.hbr.org/johnson/2012/10/put-failure-in-its-place.html

التعليقات مغلقة

نشر