التصنيفات: مترجم

دواء يمّكن الإنسان من خسارة ثلث وزنه

تعتبر جراحات الجهاز الهضمي الحل الوحيد المتوفر حالياً لإنقاص الوزن في حالات السمنة المفرطة التي تهدد الحياة أو تسبب السكري، ولا تخلو هذه العمليات من مضاعفات ومخاطر متعددة. ماذا لو كان هناك بديلاً عن الخضوع لعملية تتضمن المشرط الجراحي؟

تمكّن العلماء من تركيب عقار مقاوم للسمنة تماثل نتائجه في إنقاص الوزن نتائج العمليات الجراحية بمقدار الثلث. بالرغم من تجربة العقار على القوارض فقط، إلا أنه الأول من نوعه الذي يستهدف ثلاثة هرمونات في الأمعاء ترتبط مباشرة بتطور السمنة المفرطة.

تعمل جراحات معالجة البدانة، مثل جراحة تصغير الأمعاء، على الحد من كمية الطعام الذي يتناوله الشخص، بسبب زوال جزء من المعدة أو الأمعاء. إلا أن تأثير العملية يتجاوز تصغير حجم الأمعاء أو المعدة، حيث تتغير إفرازات عدة هرمونات مرتبطة بتنظيم عمل الأمعاء، حسب تفسير المختص في الهرمونات السريرية ستيفان أورايلي من جامعة كامبردج في بريطانيا، الذي لم يكن من فريق عمل البحث. يعتبر هذا التغيير مهماً، حيث أن تناول الأطعمة الغنية بالسكريات والدهنيات على مدى سنوات قد يعطل تأثير هذه الهرمونات ويحدث فوضى في تنظيم التفاعلات الحيوية عند الإنسان. يؤدي ذلك أيضاً إلى تغيّر برمجة الخلية الجينية في معالجتها للسكر داخل الخلايا وتخزين الدهنيات مما يضع الجسم في حالة تثبيت لزيادة السمنة.

تؤدي هذه العوامل الهرمونية إلى جعل عملية التخلص من الوزن الزائد عن طريق الحمية الغذائية وممارسة الرياضة أمراً صعباً. أما في حالة الجراحات المضادة للبدانة، فإنها تكسر هذا التسلسل الدائري للأحداث في جسم الإنسان، عن طريق تحفيز إنتاج عدة هرمونات تعمل على إنقاص نسبة السكر في الدم وزيادة حرق الدهون وتقليل الشهية للطعام. بإمكان تلك الهرمونات أن تؤدي إلى تغيير تركيبة المجموعات البكتيرية الموجودة في الأمعاء.

تفرز خلايا الأمعاء ثلاثة من هذه الهرمونات هي glucagon-like peptide-1 (GLP-1)و glucagonو gastric inhibitory peptide(GIP) عند تناول وجبة طعام، حتى تبقى نسبة السكر في الدم ضمن المستوى الطبيعي. يعمل هرمون GLP-1 أيضاً على إرسال إشارة تحفز الشعور بالشبع في الدماغ، ويؤدي اختلال استجابة الجسم لهذه الهرمونات إلى تطور أمراض تتعلق بنسبة السكر في الدم، مثل داء السكري 2 حيث لا تستطيع خلايا الجسم الإستجابة لهرموني GLP-1 و GIP ويؤدي ذلك بدوره إلى ارتفاع نسبة السكر في الدم لنسب أعلى من الحد الطبيعي وهو أمراً خطراً.

تعتمد آلية عمل هرمون Glucagon على رفع معدل السكر في الدم عن طريق إرسال إشارة إلى الكبد ليحفزه على تحويل الدهون إلى سكريات، فإذا ارتفعت نسبة السكر في الجسم كما في حالات الإصابة بالسكري نوع 2 فإن الجسم يكبح إفراز هذا الهرمون لاستعادة التوازن الطبيعي، فتهدأ في الوقت ذاته عملية حرق الدهون. أما عند الأشخاص الذين لا يعانون من مرض السكري نوع 2 والذين يخضعون لجراحات مضادة للبدانة، يقوم هرمون Glucagon بتحفيز حرق الدهون، وبالتالي يعمل على إنقاص الوزن.

تعمل العقارات المتوافرة حالياً على تحفيز ارتفاع مستوى هذه الهرمونات كل على حدة، إلا أن فاعليتها محدودة لدى الأشخاص الذين يعانون من مرض السكري والبدانة المفرطة.

فعلى سبيل المثال، يمكن للعقار الذي يعتمد على هرمون GLP-1 وحده إنقاص الوزن بمعدل 2.7 كيلو غرام فقط حسب نتائج التجارب التي أجريت على البشر. يسبب العقار أعراضاً جانبية حادة، مثل الغثيان الشديد والقيئ. أقنعت هذه النتائج عدة باحثين، حسب تصريح أورايلي، بالتالي: “علينا استهداف التحكم بأكثر من هرمون واحد في الأمعاء لإحراز تقدم في اختراع عقار يعالج البدانة المفرطة.”
تم تطبيق هذا التوجه لاستهداف التحكم بأكثر من هرمون من قبل المختص بعلم الهرمونات مثايس تشوب الذي شغل منصب مدير أبحاث في مركز هيلمهولتز لمرض السكري في ميونخ حيث تم هندسة بروتين يحتوي الأجزاء البنائية الفعالة لهرمونات GLP-1 و GIP و glucagon مدمجة مع بعضها البعض في وحدة واحدة (بروتين واحد).
لصنع هذا البروتين الهجين، بنى الباحثون بروتين مدمج من هرمونيGLP-1 و glucagon ثم أمضو سنوات في إحداث تغيرات طفيفة لإضافة مكونات هرمون GIP ، وفي كل مرة يتم فيها إضافة جزء صغير من هذا الهرمون إلى البروتين المدمج (الهجين) كان يتم اختباره على الفئران للتأكد من فاعلية الهرمون الهجين في التحكم بالتفاعلات الحيوية.
في النهاية، تمكن العلماء من تصنيع عقار واحد (بروتين واحد) يمتلك القدرة على تحفير إنتاج الهرمونات الثلاث فقط، وليس أي هرمونات أخرى، مما يجعل هذا الاكتشاف خطوة غير مسبوقة في مجال الأدوية المكافحة للبدانة المفرطة.

سبّب تجريب هذا العقار على القوارض البدينة تغيرات في العمليات الحيوية، مثل انخفاض مستوى السكر في الدم وارتفاع نسبة إحراق الدهون وانخفاض في الوزن بنسب تشابه نتائج العمليات الجراحية المعالجة للبدانة، حيث تمكن العقار من خفض وزن القوراض بمعدل الثلث والدهون بنسبة الثلث مع الحفاظ على الكتلة العضلية وخفض نسبة السكر بنسبة النصف في مدة زمنية لا تتجاوز ثلاثة أسابيع، حسب تصريح فريق البحث في منشور على صفحة Nature Medicine الإلكترونية.

يعقب تشوب قائلاً: “يمكننا أن نعتبر هذا العقار كإكسير يحقن ويعالج البدانة المفرطة وداء السكري نوع 2 عن طريق خداع الجسم ليظن أنه تعرض لجراحة تصغير المعدة أو الأمعاء.” يعني ذلك أنه بإمكان العقار التجاري الذي سيتم تصنيعه، بناء على نتائج التجربة، أن يمنح فوائد الجراحات المعالجة للبدانة ذاتها، خالية من المخاطر التي تصاحب هذه الجراحات.
يعلق أورايلي قائلاً: “يحتاج المشروع إلى إبداع كيميائي، مع أنه من أنجح العلاجات الشاملة التي يجرى البحث عليها. ستتبين النتائج الحاسمة في مرحلة تجربة هذا العقار على البشر.” ويعقب قائلاً: “في النهاية، لا يمكننا الاحتفال بنجاح العقار إلا إذا أثبت فاعليته على البشر”.

التعليقات مغلقة

نشر