حاكمية الله أم حاكمية البشر ؟؟

يُعتبر (أبو الأعلى المودودي) و (سيد قطب) من أوائل المجددين في القرن العشرين لمفهوم (حاكمية الله) .. والفرق بينهما هو أن المودودي اكتفى بتكفير الدولة التي لا تقيم هذه الحاكمية .. بينما تخطى سيد قطب ذلك لتكفير الأمة ككل !!
هذا المفهوم ليس وليد العصر، ولكنه وليد (الفتنة الكبرى) .. فالخوارج هم أول من اعتبر أنَّ الاحتكام إلى البشر هو خروج عن (حاكمية الله) وذلك بعد أن رفضوا التحكيم بين عليّ ابن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان.
وعند العودة للنص القرآني نجد بأنَّ مصطلح “الحُكم” لم يرد إطلاقاً بمعنى ممارسة الحُكم أو السلطة .. لكنه ورد بمعنى الفصل في الخصومات والقضاء بين الناس لا أكثر .. لذلك استخدم القرآن تعبير (الحكم بين الناس) وليس (حكم الناس) :
……………………………….
قال تعالى (وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ) أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ (النساء: 58)
وقال .. وَأَنِ (احْكُمْ بَيْنَهُمْ) بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَۖ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذنُوبِهِمْۗ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (المائدة: 48)
وقال .. وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا (ذَٰلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِۖ حْكُمُ بَيْنَكُمْ) وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (الممتحنة: 1)
وقال .. (وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ) وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَٰلِكَ وَمَا أُولَٰئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ ﴿المائدة: 43)
وقَالَ .. الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا (إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ) (غافر: 48)
………………………………
إذا استوعب قارئ التنزيل الحكيم كل ذلك، تبين له بشكل واضح وقاطع بأنَّ قوله تعالى (وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ) وقوله (وَأَنِ احْكُمْ “بَيْنَهُمْ” بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ) أو قوله (إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ) لا يعني إطلاقاً التحكم بالعباد والبلاد باسم الله أو -نيابة عنه- إذ أنَّ حكم الناس باسمه- سُبحانه وتعالى- يحتاج إلى تفويض صريح منه وإلى سلطة دينية لتنفيذه، هذه السلطة الدينية-التنفيذية- لا يملكها حتى الرسول الكريم (ع) لأنها بحد ذاتها أداة إكراه. تأمل في قوله تعالى إن شئتـ: فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطَر إِلَّا مَنْ تَوَلَّىٰ وَكَفَرَ فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ ” ( الغاشية: 26﴾
وأخيراً، فالناظر في الآيات سيجد بأنَّها أُنزلت في حق أهل الكتاب حصراً، إذ أوجبت عليهم الحكم بالتوراة أو الإنجيل، فإن لم يفعلوا فإنهم ظالمون، كافرون، فاسقون:
……………………………..
إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا ((وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ)) ﴿المائدة: 44)
وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ ((وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)) (المائدة: 45)
وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ ((وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ)) (المائدة: 47)
بعد التحكيم الشهير أصبح معاوية السُلطان الأول للُسنة في الإسلام ..
وتمت تسمية الذين اتبعوا علي بن أبى طالب ” الشيعة ” ..
والذين خرجوا عليه “الخوارج .. مما أدى إلى انقسام المسلمين إلى طوائف متناحرة حتى الآن !!!!