التصنيفات: مترجم

تنقيب في الأصول – شجرة الحياة و(3.8) مليار عام من التطور

شاركها

  • Facebook
  • Twitter
  • Google +

تنقيب في الأصول – شجرة الحياة و(3.8) مليار عام من التطور

يقوم علماء من معهد جورجيا للتقنية (Georgia Institute of Technology) وبتمويل من ناسا (NASA)، بتتبع البيانات التي تم إيجادها في خلايا جميع الكائنات الحية على الأرض، واستخدامها لتتبع تطور الحياة، فوجدوا أن الحياة تختزل وتكتب وتعيد كتابة تاريخها داخل التراكيب البيولوجية المعقدة.

تم إيجاد بعض المفاتيح التي يمكنها حل مسألة بدايات الحياة الأولى موجودة بتشفير الريبوسم (1)؛ والذي يعد أقدم تجمع جزيئات حية وأكثرها انتشارًا، يقوم ريبوسوم وقتنا الحالي بترجمة الحمض النووي الريبوزي (RNA) إلى سلاسل ببتيدية التي تترابط فيما بعد لتشكيل البروتينات؛ والتي تقوم بدورها بتأدية الوظائف المختلفة للكائن الحي.

لكن يظهر الريبوسوم بنفسه أنه قد تغيّر مع مرور الزمن، ويظهر تاريخه كيف أن الجزيئات البسيطة قد اتحدت لتشكل الكائن الحي، ويسجل هيكل الريبوسوم الحالي العمليات البيولوجية القديمة التي حدثت في جذور شجرة الحياة قبل نحو (3.8) مليار عام.

من خلال اختبار التغيرات الحاصلة في الحمض النووي الريبي الريبسومي (Ribosomal RNA) (2) الموجود في الخلايا الحديثة؛ تمكّن العلماء من تصور الجدول الزمني للحياة رجوعًا إلى التاريخ القديم، كما تمكنوا أيضًا من توضيح الهياكل الجزيئية والتفاعلات والأحداث بالفترات الزمنية القريبة من نشأة الحياة من منظور الكيمياء الحيوية (3).

قال لورين ويليامز أستاذ الكيمياء والكيمياء الحيوية في كلية جورجيا للتكنولوجيا (4): «يعد الريبسوم حافظًا عظيمًا للسجلات، ونقوم الآن بقراءة بعض من أقدم سجلات البيولوجيا، لفهم العمليات ما قبل البيولوجية، وفهم تطور الحياة على الأرض.»

يحتوي الريبوسوم على مكونات تشكلت في بدايات تاريخه؛ تمامًا مثل حلقات جذوع الأشجار، حيث يسجل مركز الجذع عمر الشجرة بفترة «شبابها»، وكل حلقة متلاحقة فوقه تمثل سنة من سنوات عمر الشجرة، حتى نصل إلى الطبقة الخارجية التي تقوم بتسجيل بيانات الوقت الحاضر.

تمامًا مثل عدم تغيُّر مركز جذع الشجرة على مر الزمن؛ تحتوي جميع الريبوسومات الحديثة على لبٍّ مشترك يعود إلى (3.8) مليار عام، ويعتبر الأساس المشترك في جميع الكائنات الحية؛ بما فيها الإنسان.

قال ويليامز: «تقوم الريبوسومات بتسجيل تاريخها، إنها تتراكم وتكبر أكثر وأكثر مع مرور الزمن، لكن الأجزاء الأقدم جُمدت بشكل دائم بعد أن تراكمت عليها الأجزاء الأحدث؛ تمامًا مثل حلقات جذع الشجرة، وطالما تبقى الشجرة على قيد الحياة فإن الحلقات الداخلية لن تتغيّر، ونجد بأن اعماق لب الريبوسوم أقدم من أشكال الحياة التي تنتجها العمليات التطورية؛ والتي ما زلنا لا نفهمها بشكل جيد جدًا.»

تستغل الرايبوسومات هذه القدرة على حفظ السجلات؛ وبنفس الوقت فإنها تكشف أيضًا عن كيفية تغيّر الحياة مع مرور الزمن، كما يمكنها أن تشير إلى الظروف البيئية على الأرض التي تطورت بها، وتسهم بإثراء أبحاثنا عن أشكالها في أماكن أخرى من الكون.

كشف الباحثون أسرار بدايات التكوين وقاموا بالإجابة على الأسئلة الأساسية للعملية التطورية والأسئلة الوجودية حول ترتيبنا بالكون، عن طريق تقنية الهندسة العكسية (6) والرجوع العكسي بطبقات الريبوسومات، وقاموا بإعادة تشغيل الشريط الريباسي القديم.

تمكن الباحثون من العثور على (بصمات جُزيئية) تُظهر مكان حدوث الإضافات على الريبوسومات، وذلك عن طريق دراسة الإضافات الحاصلة على الريبوسوم؛ ويسمح لهم ذلك بتبيان طريقة نموها، باستخدام تقنية تُدعى أسلوب المقارنة الهيكلية (Structural Comparative Method) (7)؛ حيث تمكن العلماء من نَمذَجة تطور الريبوسوم بتفاصيله دقيقة.

قال ويليامز: «من خلال أخذ الريبوسومات من عدة أنواع -مثل البشر والخميرة والبكتيريا المختلفة والعتائق- وبالنظر إلى الأجزاء الخارجية التي نجد أنها مختلفة، وجدنا أن هناك قواعد محددة للغاية تتحكم بكيفية تغيُّر هذه الأجزاء، وأخذنا تلك القواعد وطبقناها على اللُبّ المشترك، والذي سمح لنا برؤية الأجزاء الأولى من الحمض النووي الريبي.»

ساعدت بعض القرائن خلال العملية، على سبيل المثال بالرغم من أن الحامض النووي الريبي يُعد المسؤول عن صناعة البروتينات بالوقت الحالي؛ لم تكن الحياة الأولى تحتوي على البروتينات، ومن خلال البحث في المناطق الخالية من البروتينات في الريبوسوم، تمكن الباحثون من تأكيد أن تلك العناصر تواجدت قبل ظهور البروتينات، وبمجرد أن اكتسبت الريبوسومات قدرات معينة تغيرت طبيعتها الى ما هي عليه الآن.

نجد أن اللب الريبوسي متشابه لدى جميع الأنواع، وهذا الأمر شكَّل الإختلافات الكبيرة بالجزء المتبقي من الريبوسوم، ومن الجدير بالذكر أن البشر يمتلكون أكبر الريبوسومات إذ يشمل بعضها (7000) من النيوكليوتيدات؛ والذي يمثل نموًا هائلًا عن بداياتها حيث كانت تحتوي على مائة أو ما يقارب ذلك من أزواج النيوكليوتيدات الأساسية.

قال ويليامز: «نتحدث هنا عن الانتقال من مرحلة الحمض النووي الريبوسي القصير قليل الوحدات (Oligomers)، والتدرج وصولًا إلى الكائنات الحية التي نراها اليوم، ونجد أن هذه الزيادة في الحجم والتعقيد محيرة للعقل.»

وتمكن الباحثون من الحصول على ريبوسومات الكائنات الحية من خلال قواعد البيانات الهيكلية والتسلسلية؛ والتي قد تم إنتاجها لمساعدة العلماء على تحديد الأنواع الجديدة، حيث يمكن للريبوسوم أن يتبلور مما يكشف هيكله ثلاثي الأبعاد.

نجد تطبيقات فعلية لهذه المعرفة الجديدة وكيف أن التطور لعب دورًا هامًا في الحياة مع مرور الزمن، يمكن لهذه المعرفة حول تطوير الريبوسوم أن توفر تطبيقات طبية حديثة أكثر عملية من الموجودة حالياً وأكثر فعالية.

قال ويليامز: «يُعد الريبوسوم أحد الأهداف الرئيسية للمضادات الحيوية، لذا يمكن لفهم هيكلتها ودراسة بيولوجيتها باستمرار أن يكون ذا فائدة كبيرة، وذلك عن طريق دراسة الريبوسوم حيث يمكننا البدء في التفكير بالحياة بطريقة مختلفة، ويمكننا أن نرى العلاقة التكافلية بين الحمض النووي الريبوزي والبروتينات.»

وأضاف: «لدينا نموذج متماسك وثابت يُحصي جميع بيانات أشكال الحياة التي مرت بها منذ الزمن الماضي والتي تعد بدائية جدًا مرورًا بما لدينا بالوقت الحالي، ونحن نخطط لمواصلة اختبار تنبؤات النموذج.»

تم نشر الدراسة في الطبعة الأولى من مجلة الأكاديمية الوطنية للعلوم (Early Edition of the journal PNAS) يمكنك تحميل الدراسة من هنا (5).

مراجع: 1 و 2

فريق البحث:
من مركز جورجيا تك
1. لورين وليامز (Loren Williams): أستاذ الكيمياء والكيمياء الحيوية في كلية جورجيا للتكنولوجيا، والباحث المسؤول في مركز جورجيا تك، ومعهد البيولوجيا الفلكية في وكالة ناسا للريبوسوم التكيف والتطور (2009-2014).
2. بوراك غولن Burak Gulen
3. آشلين نوريس Ashlyn Norris
4. تشاد بيرنييه Chad Bernier
5. نيكولاس كوفاك
6. كاثرين لانير Kathryn Lanier
7. ستيفن هارفي Stephen Harvey
8. روجر وورتيل Roger Wartell
9. نيكولاس هود Nicholas Hud
10. جورج فوكس من جامعة هيوستن George Fox

إعداد: عبدالرحمن فحماوي

تدقيق: شريف حوا

تصميم أنس ضباعين

التعليقات مغلقة

نشر