بشار ابن برد

في عام 785م مات أشعر المولدين على الإطلاق ضرباً بالسياط بشار بن برد العُقيلي. وهو بصري قدم بغداد، وكان يلقب بالمرعّشث، وأصله من طخارستان من سبي المهلب بن أبي صفرة، وكان اكمه ولد أعمى، جاحظ الحدقتين قد تغشاها لحم أحمر. وكان ضخماً عظيم الخلق والوجه مُجدَّراً طويلاً، فكان أقبح الناس عمىً وأفظعه منظراً، وهو من مخضرمي شعراء الدولتين العباسية والأموية، قد شهر فيهما ومدح وهجا وأخذ سَنيّ الجوائز مع الشعراء. وكان إذا أراد أن ينشد صفق بيديه وتنحنح وبصق عن يمينه وشِماله، ثم ينشد فيأتي بالعجب. وقال الأصمعي: بشارٌ خاتمة الشعراء، والله لولا أن أيامه تأخرت لفضلته على كثير منهم.
وقال الجاحظ في كتاب البيان والتبين وقد ذكره: كان بشار شاعراً خطيباً صاحب منثور ومزدوج وسجع ورسائل، وهو من المطبوعين أصحاب الإبداع والاختراع المُفْتَنِّن في الشعر، القائلين في أكثر أجناسه وضروبه. وقال الشعر في حياة جرير وتعرّض له، وحُكي عنه أنه قال: هجوت جريراً فأعرض عنّي ولو هجاني لكنت أشعر الناس.
ولد بشار أعمى فما نظر إلى الدنيا قطّ، وكان يُشبّه الأشياء بعضها ببعض في شعره فيأتي بما لا يقدر البصراء أن يأتوا بمثله؛ فقيل له يوماً وقد أنشد قوله:
كأنّ مُثار النَقْع فوق رؤوسنا … وأسيافَنا ليلٌ تَهاوى كواكبهُ
قال الجاحظ عن عقيدة بشار: كان بشار يدين بالرجعة (الرجوع إلى الدنيا بعد الموت)، ويُكفّر جميع الأمة، ويُصوّب رأي إبليس في تقديم النار على الطين، وذكر ذلك في شعره فقال:
الأرض مُظلِمةٌ والنّارُ مُشرِقةٌ … والنارُ معبودةٌ مذ كانت النارُ
قيل في جلده أن الخليفة المهدي سمعه يؤذن وهو سكران في ضاحية النهار، فقال: أتلهو بالأذان في غير وقت صلاة وأنت سكران! ثم دعا بابن نهيك فأمره بضربه بالسوط سبعين، ولما بان عليه الموت، ألقي في سفينة حتى مات، ثم رمي به في البطيحة، فجاء بعض أهله فحملوه إلى البصرة فدفن يها.
ومن شعره في الشمورة:
إذا بلغ الرأي المشورة فاستعن … بحزم نصيح أو نصاحة حازم
ولا تجعل الشورى عليك غضاضة … فريش الخوافي تابعٌ للقوادم
وما خير كفٍّ أمسك الغُلُّ أختها … وما خير سيف لم يؤيَّد بقائم
وله البيت المشهور:
هل تعلمين وراء الحبِّ منزلة … تُدني إليك فإن الحبَّ أقصاني
وأغزل بيت قاله:
أنا والله أشتهي سحر عينيـ … ـك وأخشى مصارع العشاق
ومن شعره:
يا قوم أُذني لبعض الحي عاشقة … والأذن تعشق قبل العين أحيانا
قالوا بمن لا ترى تُهذي فقُلتُ لهم … الأذن كالعين توفي القلب ما كانا
وقال الطبري في تاريخه: كان سبب قتل المهديّ لبشار أن المهدي ولَّى صالح بن داود أخا وزير المهدي يعقوب بن داود ولاية، فهجاه بشار بقوله ليعقوب:
هُمُ حملوا فوق المنابر صالحاً … أخاك فضجَّت من أخيك المنابر
فبلغ يعقوب هجاؤه، فدخل على المهدي وقال له: إن بشاراً هجاك، قال: ويلك، ماذا قال؟ قال: يعفيني أمير المؤمنين من إنشاد ذلك، فقال: لابد، فأنشده:
خليفة يزني بعمامته … يلعب بالدَّبُّوق والصَّولجان
أبدلنا الله به غيره … ودسَّ موسى في حِرِ الخيزران
فطلبه لمهدي، فخاف يعقوب ان يدخل عليه فيمدحه فيعفو عنه، فوجّضه إليه من القاه في البطيحة. وأخبار بشار كثيرة.