باتريس لومومبا

في عام 1961م اغتيل الزعيم الوطني الإفريقي باتريس لومومبا، الذي جسّد النزعة القومية الكونغولية في تطلعاتها الوحدوية وأهدافها التحررية الأكثر رسوخاً. وقد اعتبر اغتياله ضربة قاسية موجهة لا ضد استقلال الكونغو والحركة المناهضة للاستعمار في أفريقيا فحسب، وإنما أيضاً إلى التيار التحرري عامة في العالم الثالث برمته. والفشل الذي مني به مشروعه الوحدوي والتحرري، والذي كان شبه محتم في ظل الظروف السائدة في الكونغو غداة إعلان الاستقلال، لم ينقص من شعبيته التي لا تزال حية في وجدان مواطنيه.
ولد باتريس لومومبا عام 1925م في كاتاكو – كومبيه، في مقاطعة سانكورو في كازاي، من أسرة كاثوليكية شديدة التدين. كان والده معلماً للدين المسيحي في مدرسة ابتدائية، وأمه عاملة زراعية. وقد تابع باتريس دراسته الابتدائية والثانوية في مدرسة يشرف عليها مبشرون بلجيكيون ثم وظّف برتبة منشئ في شركة منجمية بلجيكية في كيندو في مقاطعة كيغو. منحته السلطات البلجيكية بعد ذلك منحة دراسية، فالتحق بمعهد البريد والبرق والهاتف في ليوبولدفيل (كينشاسا حالياً)، وأصبح، بعد تخرجه، محاسباً في الصكوك البريدية في ستانلفيل (كيزانغاني). وبعد أن عمل على مدى أحد عشر عاماً في الإدارة الاستعمارية اعتقل ووجهت إليه تهمة الاختلاس. أطلق سراحه في وقت لاحق فأقام مع أسرته في ليوبولدفيل حيث أصبح، في العام 1957م، المدير التجاري لمصنع للبيرة.
وعلى الرغم من انتمائه إلى الفئة الضيقة الضئيلة من الكونغوليين (المتطورين)، أي الحاصلين على قدر من الثقافة ومن تجربة العمل في دوائر الإدارة الاستعمارية، لم يتعاطف لومومبا يوماً مع البلجيكيين، لقد ثار على الشرط الذي فرضه عليه، وعلى مواطنيه، المستعمر الأجنبي، وأسس رابطة لمستخدمي البريد، ثم أصبح رئيس جمعية المستخدمين المحليين للمستعمرة.
كان لومومبا، حتى العام 1957م، قد ناضل في سبيل الاندماج والمساواة بين البلجيكيين والكونغوليين. لكن انعطافاً حاسماً في خط مساره النضالي حصل في تشرين الأول من عام 1958م عندما بادر إلى تأسيس الحركة الوطنية الكونغولية. ولما دعي، في كانون الأول من نفس السنة إلى مؤتمر عموم أفريقيا المنعقد في أكرا، دافع لومومبا، الذي كان يكن إعجاباً شديداً لزعيم غانا كوامي نكروما، عن النزعة القومية الكونغولية. وما أن عاد إلى بلاده حتى راح ينظم حملة من أجل الاستقلال.
وبعد اضطرابات الرابع من كانون الثاني 1959م (ذهب ضحيتها العشرات من القتلى والمئات من الجرحى) تسارعت الأحداث في الكونغو. فقد وافق الملك البلجيكي بودوان الأول على مبدأ استقلال الكونغو، بيد أن المدن الكونغولية الكبرى تحولت، طول العام 1959م، إلى مسرح لأعمال عنف ولاضطرابات خطيرة. وفي تشرين الثاني من عام 1959م، اعتقل لومومبا. بعد ذلك، بادرت الحكومة البلجيكية للدعوة إلى مؤتمر حول مائدة مستديرة بلجيكية – كونغولية للبحث في مستقبل القطر الإفريقي. وقد أثمرت المفاوضات عن تحديد يوم الثلاثين من حزيران من عام 1960م موعداً لإعلان استقلال البلاد؛ وقد اتفق على أن يصبح الكونغو جمهورية برلمانية مع حكومة مركزية قوية مدعومة بست حكومات محلية او إقليمية. وفي انتخابات أيار من عام 1960م النيابية، حصل حزب لومومبا على غالبية المقاعد في البرلمان وأصبح زعيمه رئيس أول حكومة في جمهورية الكونغو المستقلة.
لم ينقض أسبوعان على تبوؤ لومومبا منصب رئاسة الحكومة حتى كان رجل أمريكا في الكونغو، مويس تشومبي، يبادر إلى تفجير وحدة البلاد بإعلانه عن انفصال كاتانغا، أغنى مقاطعات البلاد على الإطلاق. وما أن أعلن عن انفصال كاتانغا في 11 تموز من عام 1960م حتى حصل تمرد خطير وشبه عام داخل صفوف الجيش، حال دون نجاح الحكومة في إرسال قوات مسلحة إلى كاتانغا لضرب الإنفصاليين. وقد ضعف موقف الأخير وتهدد، مما شجع رئيس الجمهورية، كازافويو، على إقالته من منصبه؛ لكن لومومبا رفض الانصياع وقد صمم على مواجهة المؤامرة التي تستهدف، من خلال شخصه، مستقبل الدولة الفتية الوحدوي والتقدمي، وفي الرابع عشر من أيلول، قام الجنرال موبوتو بانقلاب واعتقله. وقد تمكن لومومبا من الفرار، لكن ليقع في الاعتقال من جديد وليسلم إلى ألد اعدائه في كاتانغا، الذين أعدموه في ظروف لا يزال الغموض يحيط بها.