في عام 702م توفي في خراسان المهلب بن أبي صفرة ظالم بن سراق الأزدي العتكي. الأمير البطاش والحواد. قال فيه عبد الله بن الزبير: هذا سيد أهل العراق. ولد في دبا سنة 628م، ونشأ بالبصرة، وقدم المدينة مع أبيه في أيام عمر. وولي إمارة البصرة لمصعب بن الزبير. وفقئت عينه بسمرقند. وانتدب لقتال الأزارقة (إحدى فرق الخوارج)، وكانوا قد غلبوا على البلاد، وشرط له أن كل بلد يجليهم عنه يكون له التصرف في خراجه تلك السنة، فأقام يحاربهم تسعة عشر عاماً لقي فيها منهم الأهوال. وأخيراً تم له الظفر بهم، فقتل كثيرين وشرد بقيتهم في البلاد.
وكان سيداً جليلاً نبيلاً، روي أنه قدم على عبد الله بن الزبير أيام خلافته بالحجاز والعراق وتلك النواحي، وهو يومئذ بمكة، فخلا به عبد الله يشاوره، فدخل عليه عبد الله بن صفوان بن أمية، فقال: من هذا الذي قد شغلك يا أمير المؤمنين يومك هذا؟ أو ما تعرفه؟ قال: لا، قال: هذا سيد أهل العراق، قال: فهو المهلب بن أبي صفرة، قال: نعم، فقال المهلب: من هذا يا أمير لمؤمنين؟ قال: هذا سيد قريش، فقال: فهو عبد الله بن صفوان، قال: نعم.
ولاه عبد الملك بن مروان ولاية خراسان، فقدمها سنة 79هـ/698م، ومات فيها.
ولما حضرته الوفاة جمع من حضره من بنيه ودعا بسهام فحزمت، ثم قال: أترونكم كاسريها مجمَّعة؟ قالوا: لا، قال: أفترونكم كاسريها مفرقة؟ قالوا: نعم، قال: هكذا الجماعة، ثم مات.
رثاه الشعراء وأكثروا، وفي ذلك يقول نهار بن توسعة الشاعر المشهور:
ألاذهب الغَزوُ المقرِّبُ للغنى … ومات الندى والجود بعد المهلب
أقاما بمرو الروذ لا يبرحانها … وقد قعدا من كل شرق ومغرب
وللمهلب عقب كثير بخراسان يقال لهم المهالبة وفيهم يقول بعض شعراء الحماسة وهو الخنس الطائي يمدح المهلب:
نزلت على آل المهلب شاتياً … بعيداً عن الأوطان في الزمن المحل
فمازال بي معروفهم وافتقادهم … وبرُّهم حتى حسبتهم أهلي
ولما هّزم المهلب قطري بن الفجاءة (كبير الزارقة من الخوارج) بعث إلى مالك بن بشير فقال: إني موفدك إلى الحجاج فسر فإنما هو رجل مثلك، وبعث إليه بجائزة فردها وقال: إنما الجائزة بعد الاستحقاق، وتوجه فلما دخل على الحجاج قال: ما اسمك؟ قال: مالك بن بشير، قال: ملك وبشارة، ثم قال: كيف تركت المهلب؟ قال: ادرك ما أمل وامن ما خاف، قال: فكيف هو بجنده؟ قال: والد رؤوف، قال: كيف رضاهم عنه؟ قال: وسعهم الفضل وأقنعهم بالعدل، قال: كيف تصنعون إذا لقيتم عدوكم؟ قال: نلقاهم بجدنا فنقطع فيهم ويلقوننا بجدهم فيطمعون فينا، قال: فما حال قطري بن الفجاءة؟ قال: كادنا بمثل ما كدناه به، قال: فما منعكم من اتباعه؟ قال: رأينا المقام من ورائه خيراص من اتباعه؟ قال: فأخبرني عن ولد المهلب؟ قال: رعاة البيات حتى يؤمنوه وحماة السرح حتى يردوه، قال: أيهم افضل؟ قالك ذلك على ابيهم، قال: قال: لتقولن، قال: هم كحلقة مفرغة لا يعلم طرفاها، قال: أقسمت عليك هل رويت في هذا الكلام؟ قال: ما أطلع الله أحداً على غيبه. فقال الحجاج لجلسائه: هذا والله الكلام المطبوع لا الكلام المصنوع.
كان شعاره في الحرب: (حم لا ينصرون) وهو أول من اتخذ الركب من الحديد – وكانت قبل ذلك تعمل من الخشب – وأخباره كثيرة.

شارك الموضوع
المقالة السابقةمحمود بيرم التونسي
المقالة التاليةالقائد المغولي هولاكو خان