في عام 1919م نفذ الطليان حكم الإعدام شنقاً في مرزوق بقائد المقاومة ضد الاستعمار الفرنسي في النيجر محمد و.ت كاوسن، المولود في (دامرغو) عام 1880م. قاد ثورة الطوارق ضد محاولات الاستعمار لاحتلال أفريقيا وإخضاع شعوبها.
اعتنق كاوسن الإسلام عام 1909م، وكان ينتمي للسنوسية المتمركزة آنذاك في ليبيا، وأصبح أبرز مناصر لها في النيجر، ساهم في العام نفسه في الهجوم مراراً على منطقة التيبستي في التشاد، ومنحه السنوسي الأكبر في عام 1910م قيادة منطقة أندي وحمايتها. وبالرغم من الهزيمة التي لحقت به ومطاردة الفرنسيين له حتى دار فور في السودان، فإنه ما لبث أن عاد أولاً إلى تشاد ثم إلى فزان عام 1913م. ومن هناك خطط للهجوم على الفرنسيين في النيجر. وكانت هذه العمليات جزءاً من حرب الشعب الليبي ضد الإيطاليين الذين غزوا ليبيا عام 1911م وضد الفرنسيين.
وكان السنوسي الأكبر قد أعلن (الجهاد) وذلك دعماً للعثمانيين الذين كانوا يحاربون فرنسا وبريطانيا. وتجاوب الكثيرون مع هذه الدعوة، وبالأخص كاوسن الذي كان يهدف إلى تحرير منطقة (آر) من (الكافرين)، ثم فاجأ كاوسن الحامية الفرنسية في 17 كانون الأول عام 1916م في أغادير بعد أن أقنع حاكمها القائد الفرنسي بإخلاص الطوارق، وهاجم الحامية وحاصرها حصاراً مطولاً حتى 3 آذار عام 1917م. وخلال فترة الحصار هذه، استطاعت قوات كاوسن التي كان يبلغ عددها ألف جندي أن تسيطر على أغلبية منطقة آر، وصمدت في وجه عدد من الهجمات الفرنسية المتقطعة التي حاولت فك الحصار.
غير أن الفرنسيين صمموا على الانتقام من كاوسن بعد كل ما عانوه من تعب ومحن خلال الحصار الذي فرضه عليهم. لذلك بطشوا بطشاً شديداً بالأهالي حين نجحوا في الدخول إلى أغادير والغال. ثم جمعوا زعماء الطوارق وقتلوا عدداً منهم.
ولكن كاوسن نجح في الإفلات منهم وكان لاندلاع ثورته تأثير، على اندلاع ثورات أخرى في مناطق شتى من الصحراء، وبقي السنوسيون يحاربون الإيطاليين حتى عام 1917م. فكان الأتراك والألمان يدعمون هذه الثورة رغبة منهم في وضع حد لزحف القوى الإيطالية والفرنسية في أفريقيا، غير أن التدخل الألماني التركي كان ضعيفاً في فترة تمرد كاوسن في حين كان تحالف البريطانيين والفرنسيين قوياً من أجل تدمير كاوسن الذي اعتبر أنه يشكل خطراً كبيراً مشتركاً عليهم.
وعزز الفرنسيون جيوشهم في النيجر. وزاد البريطانيون من عدد قواتهم أيضاً عندحدودها، وكان الإنكليز والفرنسيون يخشون معاً أن تمتد عدوى هذه الحرب الإسلامية إلى سكان (الهوسا – فولاني) وتم إرسال القوى البريطانية إلى الأراضي الفرنسية في غرب أفريقيا في مطلع عام 1917م حين كان الفرنسيون يحاربون كاوسن، غير أن كاوسن استطاع الهرب مرة أخرى، وفي عام 1918م كان كاوسن في فزان التي كانت جزءاً من ليبيا الإيطالية صورياً فقط. وهناك تم القبض عليه. وفي 5 كانون الثاني عام 1919م، نفذ حكم الإعدام شنقاً بهذا المناضل في مرزوق في ليبيا المحتلة. وطبعاً لم تنته مقاومة الطوارق في الصحراء وفي الساحل ضد فرنسا. غير أن أهم مرحلة في هذا الصراع كانت قد انتهت باستشهاده، أي المرحلة ما بين عامي 1917 – 1919م.

شارك الموضوع
المقالة السابقةالملكة كاترين
المقالة التاليةالشيخ طاهر بن صالح الجزائري