في عام 2005 توفي في دمشق، المفكر أنطون المقدسي عن 91 عاماً، تحكي الكثير عن سيرة وطن وجيل طموح، انتقل من الريف إلى دمشق ليحجز مساحة له في الضوء. وكان المقدسي قد أمضى أيامه الأخيرة في مستشفى الطب الجراحي. تجاهل المقدسي عمداً زيارة وزير الثقافة الدكتور محمود السيد، ورفض قبول إكليل الزهر من رئيس اتحاد الصحافيين صابر فلحوط. طلب في الوصية أن لا تكون هناك أي هيئة رسمية أو كنسية في مراسم الدفن التي ستتم.
قصة المقدسي غريبة في كل شيء، لكنها منسجمة مع ذاته، كان من مؤسسي (الحزب العربي الاشتراكي) مع أكرم الحوراني، لكنه لم يصبح زعيماً سياسياً. وكان من كاتبي وثيقة اندماج (الاشتراكي) مع (البعث العربي) قبل نصف قرن، لكنه نأى عن السلطة عندما وصل الوليد الجديد (حزب البعث العربي الاشتراكي) إلى السلطة في العام 1963م.
وعندما أدرك أن لا سلطة للمثقفين والحزبيين أمام الانقلابات العسكرية، ابتعد أيضاً عن السلطة ملتصقاً بالجامعة والمدرسة ليتحدث عن الفلسفة والفكر والأدب، مستنداً إلى الدراسات الأكاديمية التي أجراها في جامعات فرنسية ولبنانية، قبل أن يصبح مديراً للترجمة والنشر في وزارة الثقافة في العام 1965م، حيث قدم فيها وأشرف على ترجمة أمهات الكتب العالمية إلى الجمهور السوري والعربي.
وكانت مكافأة المقدسي على عقود ثلاثة ونيف من الخدمة العامة، فصله من وظيفته بسبب مقالات نقدية في آب 2000م. إذ كان من أوائل من تحدث عن المجتمع المدني في سورية بدعوة من منتدى النائب السابق رياض سيف. كما أنه نشر رسالتين مفتوحتين واحدة إلى الرئيس بشار الأسد وأخرى إلى حفيده قال فيهما: (لسنا مواطنين بل رعايا). لقبه أصحابه ومحبيه ومعارفه (بالإستاذ الشريف).
كرّم المقدسي ثلاث مرات، حيث نال (جائزة الأمير كلاوس) الهولندية في نهاية 2001م، و(اتحاد المترجمين العرب) في بداية 2003م، وجائزة فرنسية في منتصف العام نفسه لأنه (ساهم في شق طرق للتفكير في العالم العربي).

شارك الموضوع
المقالة السابقةالرئيس المريكي ثيودور روزفلت
المقالة التاليةالأستاذ الدكتور عبد العظيم الديب