الشيخ طاهر بن صالح الجزائري

في عام 1920م توفي الشيخ طاهر بن صالح الجزائري الحسني، المولود في 20 شباط عام 1852م، وكان من الشَّخصيات البارزة التي شاركت مشاركة فعَّالة في المرحلة التَّاريخية التي اصطُلح على تسميتها (عصر النَّهضة أو اليقظة) في البلاد العربية في القرن التاسع عشر والربع الأول من القرن العشرين. جاءت أسرتُه مهاجرةً إلى دمشق من الجزائر بعد الاحتلال الفرنسي.
نشأ الشيخ طاهر في حجر والده الشيخ صالح الجزائري، والشيخ صالح كان ممن هاجر إلى دمشق في الهجرة الجزائرية الأولى سنة 1846م، وبعد أن استقرَّ به المقام فيها بدأ يتردَّد على مجالس علمائها، حتى ذاع علمه، وعُرف فضله، فأُسند إليه منصب إفتاء المالكية في دمشق، وأصبح يعيد درس صحيح البخاري للشيخ أحمد مسلم الكزبري تحت قبَّة النَّسر في الجامع الأموي.
أخذ الشيخ طاهر على يدي والده مبادئَ علوم الشَّريعة واللُّغة العربية، ثم أدخله والدُه مدرسةَ رشدية الابتدائية، بعد ذلك التحق بالمدرسة الجقمقية الإعدادية، فتابع دراستَه هناك، وتخرَّج على الأستاذ الشيخ عبد الرحمن البوسنوي، وقد تلقَّى على يديه اللغة العربية، والفارسية، والتُّركية، وتوسَّع في دراسة العلوم الشَّرعية.
استوعب الشيخ الجزائري جملة معارف عصره القديمة والحديثة، فإلى جانب تعمُّقه في دراسة علوم الشَّريعة واللُّغة من فقهٍ وأصولٍ وتفسيرٍ وحديثٍ وعقيدةٍ ونحوٍ وصرفٍ وبلاغة.. نال حظاً وافراً من علوم الطِّبيعة والتَّاريخ والجغرافية والآثار، وتعلَّم شيئاً من الرِّياضيات والفيزياء، وعكف على دراسة اللُّغات الشَّرقية فأتقن منها التُّركية والفارسية – وكان ينظم بهما كنظمه بالعربية- وتعلَّم السُّريانية، والعبرية، والحبشية، والبربرية، والفرنسية وتكلَّم بها، فكانت هي التي أعانته على الاتِّصال بالثَّقافة الغربية.
وتعلَّم كثيراً من الخطوط القديمة ليتمكَّن من دراسة الآثار وقراءة المخطوطات. وكان يعرف السِّياسة، وما ينبغي لها، وحالة الغرب واجتماعه، والشَّرق وأممه وأمراضه معروفة كإخصائي خبير.
أما حبُّه للعلم، فقد أُثر عنه أخبارٌ كثيرةٌ سارت بها الركبان، وكان لا يترك مزاولته في أي وقت من أوقاته، ما بين قراءةٍ وتنقيحٍ، وتنقيبٍ وتأليفٍ، وكانت فرشه محاطةً بسور من الكتب والأوراق والمحابر والأقلام.
وكان من عادته في الأربعين سنة الأخيرة من حياته ألا ينام حتى يصلِّي الصُّبح، يسهر مع أصحابه في أوَّل الليل، ثم يعود إلى حجرته في مدرسة عبد الله باشا العظم ليقرأ ويؤلِّف حتى يطلع الفجر.
أما زهده؛ فقد كان الشيخ لا يعرف الرَّفاهية والنَّعيم، ولا يبالي بطيب المطعم، ولين المضجع، وفاخر الأثاث، وكان يرتدي ثياباً باليةً من غير تأنُّق ولا زينة.
بدأ الشيخ طاهر حياته العلمية معلِّماً في المدرسة الظَّاهرية الابتدائية، سنة 1878م، وانطلاقاً من هذه المدرسة بدأ الشيخ يبثُّ أفكارَه الإصلاحية.
وفي العام نفسه اتَّفق الشيخ طاهر مع كلٍّ من الشيخ علاء الدِّين عابدين وبهاء بك أمين سر الوالي على تأسيس جمعيةٍ علميةٍ اجتماعية، تكون في موقع الاستجابة لتحدِّي النَّشاط التَّعليمي للإرساليات التَّبشيرية الأجنبية. وأُسست الجمعية بالفعل وأُطلق عليها اسم (الجمعية الخيرية الإسلامية)، وانتظم في عداد أعضائها نخبةٌ من علماء وأعيان دمشق، وتولَّى رئاستها الشيخ علاء الدين عابدين.
وقد حظيت الجمعية بتشجيع ودعم الوالي مدحت باشا، وتمكَّنت من افتتاح ثماني مدارس للذكور ومدرستين للإناث.
في نهاية عام 1879م تحولت الجمعية إلى ديوان المعارف، وعُيِّن الشيخ طاهر مفتِّشاً عاماً على المدارس الابتدائية، وظهرت حيويَّة الشيخ البنَّاءة، إذ بدأ في تأليف عددٍ من كتب مناهج الصفوف الابتدائية في العلوم الدِّينية والرِّياضية والطَّبيعية.
أما نشاطه الأهمُّ في هذا الوقت فكان إقناعه الآباء بوجوب إرسال أولادهم إلى المدارس ليتعلَّموا، وكان لهذا الأمر أثرٌ كبيرٌ في تنشيط الحركة التَّعليمية في سورية.
وقد سعى الشيخ في هذا الوقت أيضاً إلى إنشاء مطبعةٍ حكوميةٍ قامت بطبع المؤلفات العامة والكتب المدرسية.
في سنة 1880م تمكَّن الشيخ بمعاونة بعض أصدقائه وبدعمٍ من والي دمشق، من جمع الكتب المخطوطة والنَّادرة في مكانٍ واحد، اختاره الشيخ ليكون أول مكتبةٍ عامةٍ في تاريخ دمشق الحديث، وهو المدرسة الظاهرية، التي تحولت فيما بعد إلى المكتبة الظاهرية.
وقد أولى الشيخ طاهر هذه المكتبة بعد إنشائها كلَّ عنايته، فكان يبتاع لها كلَّ ما تقع يده عليه من نفائس الكتب والمخطوطات، ويدفع أهل الخير إلى شراء الكتب وإهدائها إلى المكتبة.
وامتد نشاط الشيخ في هذا المجال إلى المدن السُّورية الأخرى، فكان يحضُّ أهل كلِّ بلدٍ يغشاها في جولاته الدَّعوية على تأسيس المكتبات والمدارس.
وفي العام نفسه عهدت إليه الحكومة العثمانية بوظيفة التَّفتيش على خزائن الكتب في ولاية سورية ومتصرِّفية القدس، فأعان الشيخ راغب الخالدي في إنشاء المكتبة الخالدية في القدس، وأعد لهذه المكتبة فهرساً خاصاً.
وفي عام 1886م أقالت الحكومة العثمانية الشيخ طاهرًا من وظيفة التَّفتيش بالمدارس الابتدائية تخوُّفاً من شدَّته في بث أفكاره بين التَّلاميذ والأساتذة، فزاد نشاط الشيخ، وغدا يعمل علناً، وترك التَّدريس في المدرسة الإعدادية في دمشق، وأبى بعدها أن يقبل أيَّ وظيفةٍ حكومية، وظلَّ حتى سفره إلى مصر يدرِّس، ويصنِّف، ويجوب المدن السُّورية داعياً إلى نشر العلم.
اعتمد الشيخ طاهر أسلوباً جديداً في نشر العلم والدَّعوة إلى الإصلاح، وهو ما يمكن أن يسمى الحلقة أو النَّدوة الفكرية، فكان يجتمع بكبار علماء عصره وأبرز مثقفيه، من الشَّباب الطَّامحين إلى الإصلاح والمتطلِّعين إلى العلم، يتدارسون التَّاريخ والتُّراث الفكري الإسلامي، واللُّغة العربية وآدابها، والقيم والأخلاق الإسلامية، وما يمكن أن يساعد على نهضة الأمة من نتاج الغرب الثقافي والفكري.
وكان لهذه الحلقة اجتماعٌ دائمٌ بعد صلاة الجمعة من كلِّ أسبوع، واستمرَّت في الانعقاد بعد سفر الشيخ إلى مصر سنة 1907م.
وقد أقام الشيخ علاقاتٍ مع عددٍ من سياسيِّي وعلماء عصره، فقد كانت تربطه علاقاتٌ طيبةٌ مع ولاة سورية العثمانيين، كما ربطته علاقات صداقةٍ مع عددٍ من علماء دمشق، من أمثال: الشيخ عبد الرزاق البيطار، والشيخ جمال القاسمي، والشيخ سليم البخاري، والشيخ أبو الخير عابدين ،والشيخ عبد القادر بدران.
أما طلّلابه فقد ربطته بهم علاقة أبوَّة علمية روحية، وكان على رأسهم: محمد سعيد الباني، ومحمد كرد علي، ومحب الدين الخطيب، وقد أخذ بأيديهم وأحسن توجيههم، وكان له الأثر الأكبر في توجيههم إلى الدَّعوة والإصلاح الاجتماعي، والإقدام على التَّأليف والنَّشر، وتغذيتهم محبَّة الأجداد والكلف بآثارهم والحرص على تراثهم.
كان الشيخ طاهر الجزائري مولعاً بالأسفار، فجاب القرى والمدن السُّورية، وزار لبنان وفلسطين، ومصر، والحجاز، وتركيا، وفرنسا، باحثاً عن الفائدة، مفتِّشاً عن الكتب، حريصاً على لقاء العلماء والمتعلِّمين، باذلاً في الوقت نفسه كلَّ ما تحصَّل لديه من علمٍ وخبرة، داعياً إلى كلِّ ما يؤمن به من قيمٍ وأفكار.
وقد سجَّل الشيخ طاهر معظم أخبار رحلاته وأسفاره في كناشاته التي ما زالت مخطوطةً حتَّى الآن، ومحفوظةً في مكتبة الأسد الوطنية في دمشق.
وفي سنة 1907م قرَّر الشيخ الهجرة إلى مصر، بعد أن أحسَّ بتعذُّر إقامته آمناً في دمشق، لما جرى من تفتيش السُّلطات العثمانية بيته، إذ كانت ترى في دعوته إلى إدخال الإصلاحات السِّياسية والإدارية على أجهزة الدَّولة، أمراً يتنافى مع أمنها واستقرارها.
وبعد أن استقرَّ المقام بالشيخ في مصر، استأنف سيرته الأولى في نشر العلم والدعوة إليه، وعكف على التأليف، فكتب عدداً من المؤلفات، كما شارك في كتابة المقالات في بعض الصُّحف، كجريدة (المؤيَّد) لصاحبها الشيخ علي يوسف.
وقد ارتبط بعلاقات وثيقة مع طلبة العلم من الشوام المهاجرين، أمثال محب الدين الخطيب، ومحمد كرد علي، ورفيق العظم، ومحمود الجزائري، وحقي العظم، ورشيد رضا، وغيرهم.
وقد عرف فضله ومكانته العلمية أركانُ النَّهضة الفكرية في مصر آنذاك من أمثال: الشيخ علي يوسف، وأحمد زكي باشا، وأحمد تيمور باشا.
إثر سماعه نبأ دخول الجيوش العربية بقيادة فيصل بن الحسين دمشق سنة 1918م، قررَّ الشيخ العودة إلى مسقط رأسه، ولكن المرض حال بينه وبين ذلك، ولم يستطع السفر إلى دمشق إلا في النصف الثاني من عام 1919م.
وقد عيَّنته الحكومة العربية، بعد عودته، مديراً عاماً لدار الكتب الظَّاهرية، كما قرَّر المجمع العلمي العربي الأول ضمَّ الشيخ إليه عضواً عاملاً.
أمضى الشيخ أيَّامه الأخيرة في دمشق عاكفاً على المطالعة، والبحث، والدَّعوة إلى العلم، في حين كانت وطأة المرض تشتدُّ عليه، حتى توفي في 5 كانون الثاني عام 1920م.