في مثل هذا اليوم من عام 735م توفي في البادية الشاعر المشهور غَيلانُ بن عقبة بن نهيس بن مسعود العدوي المعروف بذي الرمة. من فحول شعراء الطبقة الثانية في عصره. يقال غنه كان ينشد شعره في سوق الإبل، فجاء الفرزدق فوقف عليه، فقال له ذو الرمة: كيف ترى ما تسمع يا أبا فراس؟ فقال: ما أحسن ما تقول! قال: فما لي لا أذكر مع الفحول؟ قال: قصر بك عن غايتهم بكاؤك في الدِّمن، وصفتك للأبعار والعطن. قال أبو عمرو بن العلاء: فتح الشعر بامرئ القيس وختم بذي الرمة. وكان شديد القصر، دميماً، يضرب لونه إلى السواد. أكثر شعره تشبيب وبكاء وأطلال، يذهب في ذلك مذهب الجاهليين. وكان مقيماً بالبادية، يحضر إلى اليمامة والبصرة كثيراً. وامتاز بإجادة التشبيه. قال جرير: لو خرس ذو الرمة بعد قصيدته: (ما بال عينك منها الماء ينسكب) لكان أشعر الناس. وقال الأصمعي: لو أدركت ذا الرمة لأشرت عليه ان يدع كثيراً من شعره، فكان ذلك خيراً له. وعشق (مية) ابنة مقاتل بن طلبة المنقرية وكان ذو الرمة كثير التشبيب بها في شعره، وإياهما عنى أبو تمام الطائي بقوله في قصيدته البائية:
ما ربع ميَّة معموراً يطيف به … غيلان أبهى رُباً من ربعها الخرب
وقال ابن قتيبة في كتاب (طبقات الشعراء): قال أبو ضرار الغنوي: رأيت مية وإذا معها بنون لها، فقلت: صفها لي، قال: مسنونة الوجه طويلة الخد شماء الأنف، عليها وسم جمال، قلت: أكانت تنشدك شيئاً مما قال فيها ذو الرمة؟ قال: نعم. ومكثت مية زماناً تسمع شعر ذي الرمة ولا تراه، فجعلت لله تعالى عليها أن تنحر بدنة يوم تراه، فلما رأته رجلاً دميماً أسود، وكانت من أهل الجمال، فقالت: واسوأتاه، وابؤساه! فقال ذو الرمة:
على وجه ميٍّ مسحة من ملاحة … وتحت الثياب العار لو كان باديا
ألم تر أنَّ الماء يخبث طعمه … وإن كان لون الماء أبيض صافيا
فواضيعة الشعر الذي لجَّ فانقضى … بميٍّ ولم أملك ضلال فؤاديا
ومن شعره السائر فيها:
إذا هبّت الأرواح من نحو جانب … به أهل ميٍّ هاج قلبي هبوبها
هوًى تزرف العينان منه وإنما … هوًى كلِّ نفسً حيث كان حبيبها
وقال المفضل الضبي: كنت أنزل على بعض الأعراب إذا حججت، فقال لي يوماً: هل لك أن أريك خرقاء صاحبة ذي الرمة؟ فقلت له: إن فعلت فقد بررتني، فتوجهنا جميعاً نريدها، فعدل بي عن الطريق بقدر ميل، ثم أتينا أبيات شعر، فاستفتح بيتاً ففتح له، وخرجت علينا امرأة طويلة حسانة بها قوة، والحسانة أشد حسناً من الحسناء، فسلمت وجلست وتحدثنا ساعة، ثم قالت لي: هل حججت قط؟ قلت: غير مرة، قالت: فما منعك من زيارتي، اما علمت أني منسك من مناسك الحج؟ قلت: وكيف ذلك؟ قالت: أما سمعت قول عمك ذي الرمة:
تمام الحج أن تقف المطايا … على خرقاء واضعة اللثام
واخبار ذي الرمة كثيرة.

شارك الموضوع
المقالة السابقةتاج الدين الحسني
المقالة التاليةمن هو الكسائي