في عام 702م توفي في مصر صاحب بثينة الشاعر المشهور جميل بن عبد الله بن معمر العذري ، شاعر عشاق العرب، افتتن ببثينة، من فتيات قومه، عشقها وهو غلام، فلما كبر خطبها فرُدَّ عنها فقال الشعر فيها، وكان يأتيها سراً، ومنزلهما وادي القرى، فتناقل الناس أخبارهما. شعره يذوب رقة، أقل ما فيه المدح، وأكثره في النسيب والغزل والفخر. وكانت منازل بني عذرة في وادي القرى (من أعمال المدينة) ورحلوا إلى أطراف الشام الجنوبية. فقصد جميل مصر، وافداً على عبد العزيز بن مروان، فأكرمه عبد العزيز وأمر له بمنزل فأقام قليلاً ومات فيه.
وذكر الزبير بن بكار عن عباس بن سهل الساعدي قال: لقيني رجل من أصحابي فقال: هل لك في جميل فإنه يعتلّ نعوده؟ فدخلنا عليه وهو يجود بنفسه، فنظر إلي وقال: يا ابن سهل، ما تقول في رجل لم يشرب الخمر قط ولم يزن ولم يقتل النفس ولم يسرق يشهد أن لا إله إلا الله؟ قلت: أظنه نجا وأرجو له الجنة، فمن هذا الرجل؟ قال: أنا، قلت له: والله ما أحسبك سلمت وأنت تشبب منذ عشرين سنة ببثينة، قال: لا نالتني شفاعة محمد صلى اله عليه وسلم وإني لفي أول يوم من أيام الاخرة وآخر يوم من أيام الدنيا إن كنت وضعت يدي عليها لريبة، فما برحنا حتى مات.
وذكر في (الأغاني) عن الأصمعي قال: حدثني رجل شهد جميلاً لما حضرته الوفاة بمصر أنه دعا به فقال له: هل لك أن أعطيك كل ما أخلفه على أن تفعل شيئاً أعهده إليك؟ قال: فقلت: اللهم نعم، فقال: إذا أنا مت فخذ حلتي هذه واعزلها جانباً، وكل شيء سواها لك، وارحل إلى رهط بثينة، فإذا صرت إليهم فارتحل ناقتي هذه واركبها، ثم البس حلتي هذه واشققها، ثم اعل شرف وصح بهذه الأبيات وخلاك ذمٌّ:
صرخ النعيُّ وما كنى بجميل … وثوى بمصر ثواء غير قفول
ولقد أجرَّ البُرد في وادي القرى … نشوان بين مزارع ونخيل
قومي بثينة فاندبي بعويــل … وابكي خليلك دون كل خليل
قال: ففعلت ما أمرني به جميل، فما استتممت الأبيات حتى برزت بثينة كانها بدر قد بدا في دجنَّة وهي تتثنى في مرطها حتى أتتني وقالت: يا هذا، والله إن كنت صادقاً لقد قتلتني، وإن كنت كاذباً لقد فضحتني، قلت: والله ما أنا إلا صادق، واخرجت حلته، فلما رأتها صاحت بأعلى صوتها وصكت وجهها، واجتمع نساء الحي يبكين معها ويندبنه حتى صعقت. فمكثت مغشياً عليها ساعة ثم قامت وهي تقول:
وإن سُلوِّي عن جميل لساعةٌ … من الدهر ما حانت ولا حان حينها
سواء علينا يا جميل بن معمرٍ … إذا مُتَّ بأساء الحياة ولينهــا
ومن أجمل ما قال جميل في بثينة:
وما زلتُمُ يا بُثنَ حتى لوَانٌني … من الشوق استَبكي الحمَامَ بكى ليا
وما زادَني الواشُون إلا صَبابَةً… ولا كثرة النٌاهينَ إلا تماديـــا
وما أَحدَثَ النأيُ المفرِّق بيننا… سُلُوَّاً ولا طولُ الليالي تَقالِيــا
ألم تَعلمي ياعَذبَةَ الريق أنني … أَظلُ إذا لم ألقَ وجهَك صادِيـا
لقد خِفتُ أن ألقى المنيٌة بَغتَة ً… وفي النفس حاجاتٌ إليك كما هِيا
ويقول في قصيدة أخرى:
إني لأحفَظُ سرّكم ويسُرّني … لو تَعْلمين بصالح أن تُذكَري
ويكونُ يومٌ لا أرى لك مُرسَلاً… أو نلتقي فيه عَلَيَّ كأشهُـر
يا ليتني ألقى المنيٌةَ بغتـــة … إن كان يوم لقائكم لم يُقْدَرِ
ومنها:
يهْواكِ ما عشتُ الفؤادُ وإن أمُت… يتْبَع صَداي صداكِ بين الأقبُرِ
ومنها:
إني إليكِ بما وعدتِ لناظِـــرٌ … نظَرَ الفقير إلى الغنيّ المكثرِ
يقضي الديون وليس يُنْجز موْعداً … هذا الغريم لنا وليس بمُعْسِر
ما أنتِ والوعد الذي تَعِدينَنـي … إلا كبرقِ سحابَةٍ لم تمطر
ومن شعره:
وخبَّرتماني أن تيـــماء مـنزلٌ … لليلى إذا ما الصيف ألقى المراسيا
فهذي شهور الصيف عنّا قد انقضت … فما للنوى ترمي بليلى المراميا
وله:
إذا قلت ما بي يا بثينة قاتــلي … من الوجد قالت ثابتٌ ويزيد
وغن قلت رثدِّي بعض عقلي أعش به … بثينة قالت ذاك منك بعيد
وله في بثينة أيضاً:
وإني لأرضى من بثينة بالذي … لو استيقن الواشي لقرَّت بلابله
بلا وبألاّ أستطيع وبـالمنى … وبالأمل المرجوّ قد خاب آمله
وبالنظرة العجلى وبالحول تنقضي … أواخره لا نلتقي وأوائله
ومن أرق ما قال جميل في بثينة:
ما زلت أبغي الحيَّ أتبع فَلّهم … حتى دُفْعتُ إلى ربيبة هودج
فدنوت مختفياً ألمُّ ببيتهــا … حتى ولجت إلى خفيِّ المولج
فتناوَلَتْ رأسي لتعرف مسّه … بمخضَّب الأطراف غير مُشَنَّج
قالت: وعيش اخي ونعمة والدي … لأنبهنَّ القوم إن لم تخرج
فخرجت خيفة قولها فتبسَّمت … فعلمت أن يمينها لم تـلجج
فلثمت فاها آخذاً بقرونهـا … شُرب النزيف ببرد ماء الحشرج

شارك الموضوع
المقالة السابقةخالد بن يزيد
المقالة التاليةواصل بن عطاء