في عام 730م توفي باليمامة الشاعر المشهور جرير بن عطية بن حذيفة الخطفي بن بدر الكلبي اليربوعي، من تميم. كان أشعر أهل عصره ومن فحول شعراء الإسلام، وكانت بينه وبين الفرزدق مهاجاة ونقائض، وهو أشعر من الفرزدق عند أكثر أهل العلم بهذا الشأن، وأجمعت العلماء على أنه ليس في شعر الإسلام مثل ثلاثة:جرير والفرزدق والأخطل، ويقال: إن بيوت الشعر أربعة: فخر ومديح وهجاء ونسيب، وفي الأربعة فاق جرير غيره، فالفخر قوله:
إذا غضبت عليك بنو تميم … حسبت الناس كلهم غضابا
والمديح قوله:
ألستم خير من ركب المطايا … وأندى العالمين بطون راح
والهجاء قوله:
فغضَّ الطَّرف إنك من نمير … فلا كعباً بلغت ولا كلابا
والنسيب قوله:
إن العيون التي في طرفها حــور … قتلننـا ثم لم يحيين قتلانــا
يَصرعن ذا اللب حتى لا حراك به … وهنَّ أضعف خلق الله أركانا
وقال معمر بن المثنى: التقى جرير والفرزدق بمنى وهما حاجان، فقال الفرزدق لجرير:
فإنك لاق بالمشاعر من منى … فخاراً فخبرني بمن أنت تفخر
فقال له جرير: لبيك اللهم لبيك! قال معمر: فكان اصحابنا يستحسنون هذا الجواب من جرير ويعجبون به.
وحكى معمر أيضاً: خرج جرير والفرزدق مرتدفين على ناقة إلى هشام بن عبد الملك، وهو يومئذ بالرصافة، فنزل جرير لقضاء حاجته، فجعلت الناقة تتلفت فضربها الفرزدق وقال:
إلام تتلفتــين وأنت تحتي … وخير الناس كلهم أمـامي
متى تردي الرصافة تستريحي … من التهجير والدَّبَر الدَّوامي
ثم قال: الآن يجيئني جرير فأنشده هذين البيتين فيقول:
تلفَّتُ أنها تحت ابن قـين … إلى الكيرين والفاس الكهام
متى ترد الرصافة تخز فيها … كخزيك في المواسم كل عام
قال: فجاء جرير والفرزدق يضحك، فقال: ما يضحكك يا أبا فراس؟ فأنشده البيتين الأولين، فأنشده جرير البيتين الأخيرين، فقال الفرزدق: والله لقد قلت هذا، فقال جرير: أما علمت أن شيطاننا واحد؟
وحكى معمر قال: كان جرير مع حسن تشبيهه عفيفاً، وكان الفرزدق فاسقاً، وكان يقول: ما أحوجه إلى صلابة شعري واحوجني إلى رقة شعره.
وذكر أبو الفرج الأصفهاني في كتاب (الأغاني) في ترجمة جرير أن رجلاً قال لجرير: من أشعر الناس؟ قال له: قم حتى أعرفك الجواب، فأخذ بيده وجاء به إلى أبيه عطية وقد أخذ عنزاً له فاعتقلها وجعل يمص ضرعها، فصاح به: أخرج يا أبت، فخرج شيخ دميم رث الهيئة وقد سال لبن العنز على لحيته، فقال: أترى هذا؟ قال: نعم، قال: أوتعرفه؟ قال: لا، قال: هذا أبي، أفتدري لم كان يشرب من ضرع العنز؟ قلت: لا، قال: مخافة أن يُسمع صوت الحلب فيطلب منه لبن، ثم قال: أشعر الناس من فاخر بمثل هذا الأب ثمانين شاعراً وقارعهم به فغلبهم جميعاً.
يقول جرير إذا لعب:
إن الذين غدوا بلبِّك غادروا … وشلاً بعينك لا يزال معينا
غيَّضن من عبراتهنَّ وقلن لي …ماذا لقيت من الهوى ولقينا
ويقول عند الجد:
إن الذي حَرَم المكارم تَغْلِــباً … جعل النبوة والخلافة فينـا
مُضَر أبي وأبو الملوك فهل لكم … يا خُزْرَ تغلب من أب كأبينا
هذا ابن عمي في دمشق خليفةٌ … لو شئتُ ساقكم إليَّ قطيـنا
فلما بلغ عبد لملك بن مروان قوله قال: ما زاد ابن المراغة على ان جعلني شرطياً له، أما إنه لو قال (لو شاء ساقكم إليَّ قطينا) لسقتهم إليه كما قال. وهذه الأبيات هجا بها جرير الأخطل التغلبي الشاعر المشهور.
ومن أخبار جرير أنه دخل على عبد لملك بن مروان فأنشده قصيدة أولها:
أتصحُو أم فؤادك غير صاحي … عشية همَّ صحبك بالرواح
تقول العاذلات علاك شيبٌ … أهذا الشيب يمنعني مزاحي
تعزَّت أم حَزْرَة ثم قـالت … رأيت الموردين ذوي لقاح
ثقي بالله ليس لـه شريكٌ … ومن عند الحخليفة بالنَّجاح
سأشكر إن رددت إلي ريشي … وانبتَّ القوادم في جناحي
ألستم خير من ركب المطايا … وأندى من العالمين بطون راح
قال جرير: فلما انتهيت إلى هذا البيت كان عبد الملك متكئاً فاستوى جالساً وقال: من مدحنا منكم فليمدحنا بمثل هذا أو فليسكت، ثم التفت إلي وقال: يا جرير، أترى أم حزرة يرويها مئة ناقة من نعم بني كلب؟ قلت: يا امير المؤمنين، إن لم تروها فلا أرواها اله تعالى، قال: فأمر لي بها كلها سود الحدق، قلت: يا امير المؤمنين، نحن مشايخ وليس بأحدنا فضل عن راحلته، والإبل أباق، فلو امرت لي بالرعاء، فأمر له بثمانية، وكان بين يديه صحاف من الذهب وبيده قضيب، فقلت: يا أمير المؤمنين، والمحلب؟ وأشرت إلى إحدى الصحاف فنبذها إلي بالقضيب وقال: خذها لا نفعتك، وإلى هذه القضية أشار جرير بقوله:
أعطوا هُنيدة تحدوها ثمانية … ما في عطائهم منٌّ ولا سرف
ولما مات الفرزدق وبلغ خبره جريراً بكى وقال: أما والله إني لعلم أني قليل البقاء بعده، ولقد كان نجمنا واحداً، وكل واحد منا مشغول بصاحبه، وقلّما مات ضد او صديق إلا وتبعه صاحبه، وكذلك كان.
ولد جرير ومات في اليمامة. وعاش عمره كله يناضل شعراء زمنه ويساجلهم، وكان هجاءاً مراً، فلم يثبت أمامه غير الفرزدق والأخطل. وكان عفيفاً، وهو من أغزل الناس شعراً. وقد جمعت (نقائضه مع الفرزدق)، و(ديوان شعره). وأخباره مع الشعراء وغيرهم كثيرة جداً. وكان يكنى بأبي حزرة

شارك الموضوع
المقالة السابقةالمفكر هشام شرابي
المقالة التاليةالبهاء السنجاري