الشاعر ابن عنين

في عام 1233م توفي في دمشق الشاعر المشهور أبو المحاسن محمد بن نصر بن الحسين بن عنين الأنصاري، المولود في دمشق سنة (1154م). كان خاتمة الشعراء لم يأت بعده مثله، ولا كان في أواخر عصره من يقاس به، ولم يكن شعره مع جودته مقصوراً على أسلوب واحد بل تفنن فيه، وكان غزير المادة من الأدب مطلعاً على معظم أشعار العرب. وكان مولعاً بالهجاء وثلب أعراض الناس، وله قصيدة طويلة جمع فيها خلقاً من رؤساء دمشق سماها (مقراض الأعراض). وكان السلطان صلاح الدين، قد نفاه من دمشق بسبب وقوعه في الناس، فلما خرج منها عمل:
فعلام أبعدتم أخا ثقــة … لم يجترم ذنباً ولا سرقــا؟
انفوا المؤذن من بلادكم … إن كان ينفى كل من صدقا
وطاف البلاد من الشام والعراق والجزيرة واذربيجان وخراسان وغزنة وخوارزم وما وراء النهر، ثم دخل الهند واليمن وملكها يومئذ سيف الإسلام طغتكين بن أيوب أخو السلطان صلاح الدين. وأقام بها مدة، ثم رجع إلى الحجاز والديار المصرية وعاد إلى دمشق، وكان يتردد منها إلى البلاد ويعود إليها. دخل إربل رسولاً عن الملك المعظم شرف الدين عيسى ابن الملك العادل صاحب دمشق، وأقام بها قليلاً، ثم سافر وكتب من بلاد الهند إلى أخيه وهو في دمشق هذين البيتين:
سامحت كتبك في القطيعة عالماً … أن الصحيفة لم تجد من حامل
وعذرت طيفك في الجفاء لأنه … يسري فيصبح دوننا بمراحل
وله في قصيدة طويلة:
ألا يا نسيم الريح من تل راهط … وروض الحمى كيف اهتديت إلى الهند
وقوله من أبيات وهو في عدن اليمن:
أأحبابنا لا أسأل الطيف زورة … هيهات، أين الديلميات من عدن؟
ولما مات السلطان صلاح الدين وملك الملك العادل دمشق كان غائباً في السفرة التي نفي فيها، فسار متوجهاً إلى دمشق، وكتب إلى الملك العادل قصيدته الرائية يستأذنه في الدخول إليها ويصف دمشق ويذكر ما قاساه في الغربة، ولقد أحسن فيها كل الإحسان واستعطفه أبلغ استعطاف، وأولها:
ماذا عن طيف الأحبة لو سرى … وعليهم لو سامحوني بالكرى
ووصف في أوائلها دمشق وبساتينها وانهارها ومستنزهاتها، ولما فرغ من وصف دمشق قال مشيراً إلى النفي منها:
فارقتها لا عن رضاً، وهجرتها … لا عن قلى، ورحلت لا متخيرا
أسعى لرزق في البلاد مشتت … ومن العجائب أن يكون مقترا
وأصون وجه مدائحي متقنعـاً … وأكف ذيل مطامعي متسترا
ومنها يشكو الغربة وما قاساه فيها:
أشكو إليك نوى تمادي عمرهـا … حتى حسبت اليوم منها أشهـرا
لا عيشتي تصفو ولا رسم الهوى … يعفو، ولا جفني يصافحه الكرى
أضحي عن الأحوى المريع محـلاً … وأبيت عن ورد النمير منــفرا
ومن العجائب أن يقيل ظلكــم… كل الورى، ونبذت وحدي بالعرا
فلما وقف عليها الملك العادل أذن له في الدخول إلى دمشق، فلما دخلها قال:
هجوت الأكابر في جلق … ورعت الوضيع بسب الرفيـع
وأخرجت منها ولكنني … رجعت على رغم أنف الجميع
وكان له في عمل الألغاز وحلها اليد الطولى. ولم يكن له غرض في جمع شعره، فلذلك لم يدونه، فهو يوجد مقاطيع في أيدي الناس، وقد جمع له بعض أهل دمشق ديواناً صغيراً لا يبلغ عشر ما له من النظم.
وكان من أظرف الناس واخفهم روحاً وأحسنهم مجوناً، وله بيت شعر عجيب من جملة قصيدة يذكر فيها أسفاره ويصف توجهه إلى جهة الشرق، وهو:
أشقّقُ قلب الشرق حتى كأني … افتش في سودائه عن سنا الفجر
وكان وافر الحرمة عند الملوك، وتولى الوزارة بدمشق في آخر دولة الملك المعظم ومدة ولاية الملك الناصر ابن المعظم، وانفصل عنها لما ملكها الملك الأشرف وأقام في بيته، ولم يباشر بعدها خدمة. وكانت ولادته بدمشق سنة 1154م.