الشاعر أبو إسحاق الغزي

في عام 1130م توفي بخراسان إبراهيم بن عثمان بن محمد الكلبي الأشهبي الغزي، أبو إسحاق. شاعر مجيد مشهور، من أهل غزة بفلسطين. ولد بها سنة 1049م، ورحل رحلة طويلة إلى بغداد، وأقام بالمدرسة النظامية سنين كثيرة، ومدح ورثى غير واحد من المدرسين بها وغيرهم، ثم رحل إلى خراسان وامتدح بها جماعة من رؤسائها، وانتشر شعره هناك، وذكر الحافظ بن عساكر في (تاريخ دمشق) له عدة مقاطيع من الشعر، وأثنى عليه. وذكره العماد الكاتب في (الخريدة)، وأثنى عليه، وقال: إنه جاب لبلاد وتغرب، واكثر التنقل والحركات، وتغلغل في أقطار خراسان وكرمان، ولقي الناس، ومدح ناصر الدين مكرم بن العلاء وزير كرمان بقصيدته البائية التي يقول فيها:
حملنا من الأيام ما لا نطيقه … كما حمل العظم الكسير العصائبا
ومنها في قصر الليل:
وليلٍ رجونا أن يدبّ عذاره … فما اختطَّ حتى صار بالفجر شائبا
ومن جيد شعره المشهور:
قالوا هجرت الشعر، قلت ضرورة … باب الدّواعي والبواعث مغلق
خلت الديار فلا كريم يــرتجى … منه النوال ولا مليح يعشق
ومن العجائب أنه لا يشتــرى … ويخان فيه مع الكساد ويسرق
ومن شعره:
وخز الأسنة والخضوع لناقص … أمران في ذوق النهى مران
والرأي أن يختار فيما دونه الـ … مرّان وخز أسنة المـرّان
ومن شعره ايضاً:
من آلة الدَّستِ لم يُعط الوزير سوى … تحريك لحيته في حال إيماء
إن الوزير ولا أزرٌ يشــد بــه … مثل العروض له بحر بلا ماء
وله أيضاً:
وجفَّ الناس حتى لو بكينا … تعذَّر ما يبلُّ به الجفون
فما يندى لممدوح بنــانٌ … ولا يندى لمهجوٍّ جبين
ومن شعره أيضاً:
إشارةٌ منك تغنيني وأحسن ما … ردّ السلام غداة البين بالعنم
حتى إذا طاح عنها المرط من دهش…وانحلّ بالضَّم سلك العقد في الظُّلم
تبسمت فأضاء الليل فالتقطت … حبّاتِ منتثرٍ في ضوء منتظــم
والبيت الأخير من هذه القصيدة البديعة:
وبات بارق ذاك الثغر يُوضحُ لي … مواقع اللثم في داجٍ من الظُّلم
توفي بخراسان، ودفن ببلخ. ونقل عنه أنه كان يقول لما حضرته الوفاة: أرجو أن يغفر الله لي لثلاثة أشياء: كوني من بلد الإمام الشافعي، وإني شيخ كبير، وإني غريب. له (ديوان شعر) يقع في خمسة آلاف بيت. وكان قد باع في خراسان وكرمان نحو عشرة من مسودات شعره، قبيل وفاته. وهو صاحب الأبيات المشهورة التي مطلعها:
قالوا هجرت الشعر قلت ضرورة … باب البواعث والدواعي مغلق