التصنيفات: الصحة النفسية

التشوّهات المعرفية في العلاج المعرفي السلوكي

3- التشوّهات المعرفية cognitive distortions :

هي طريقة يستخدمها العقل ليقنعنا بشيءٍ ما غير حقيقي، وينتج عنه إثارة للمشاعر السلبية وذلك لشعورنا بأننا توصلنا بالفعل إلى استنتاج منطقي دقيق، وهي تقترح وقوع الأشخاص في الاضطرابات النفسية نتيجةً لاستخدام أحد هذه الأنماط الخاطئة في التفكير بشكل متكرر، وبعض هذه التشوهات تعتبر مغالطاتٍ منطقيةً في حدّ ذاتها، وقد غرس آرون بيك فكرتها بدايةً عام 1972م، ولكن قام تلميذه ديفيد بيرنز بإلقائها بشكل واضح عام 1980م، ثمّ أعاد تطويرها عام 1989م، وأعطى أمثلةً عليها، وقد تكلم حينها عن عشرة تشوهات، أما الآن فمنهم من أوصلها إلى أكثر من ذلك.

نطّلع هنا على أكثر هذه التشوهات شيوعًا:

– اللّوم blaming:

اعتبارُ الشخصِ أنَ الآخرين مسؤولون عن الضرر الذي لحق به كأزمةٍ نفسيةٍ مثلًا، في حينِ أنه لا يمكن لأحدٍ أن يجعلنا نشعر بطريقة ما؛ لأننا نحن فقط نملك السلطة على ردود أفعالنا الشعورية، هذا الشخص قد يقول لآخر: “توقّف عن جعلي أشعر بشكلٍ سيّءٍ حيال نفسي،” أي أنه يلوم الآخرين على شعوره.

– الإفراط في تقدير الاحتمالية probability overestimation:

اعتقادُ شخصٍ بأن حدثًا ما غير محتملٍ يمكن أن يحدث، كاعتقاد شخص عاديّ أن أجهزة الدولة مثلًا تتآمر ضده.

– التفكير الحدّي (نمط أبيض وأسود) polarized thinking:

اقتصار الرؤية على طرفٍ واحدٍ فقط وعدم وجود مجال للوسطية أبدًا، إمّا أبيض وإمّا أسود ولا وجود للرمادي، كتصنيف الناس مثلًا على أنهم إما رائعون جدًا أو أنهم لا يطاقون، أو تفسير أحدهم موقفَ شخصٍ بعدم الوقوف في صفه بأنه يقف ضده.

– الشخصنة personalization:

أخذُ الأحداث السلبية بشكلٍ شخصيّ والتشديد على الذّات، حيث يربط الشخص نفسه بما يحدث من أمورٍ سيئة ليس له أدنى دخلٍ بها، كاعتقاد أحدهم أنّ كارثةً ما حدثت بسبب عدم حضوره حينها ويلوم نفسه على ذلك؛ رغم أنّ وجوده من عدمه لم يكن ليغير من الأمر شيء. ويعتقد الشخص الواقع بهذا التشوّه بأنّ كل ما يقوله أو يفعله الآخرون هو ردّ فعلٍ مباشر وشخصيّ عليه؛ وبالتالي يقارن نفسه بالآخرين ليحددَ من الأفضل.

– الاستنباط المتحيز (التصفية) filtering:

تصفيةُ وترشيحُ ما يدخل من المعلومات والتركيز على السلبيّ منها، وإهمال الصورة العامّة للحدث وإنكار التجارب الإيجابية، وهذا بدوره يُكوّن صورةً غير حقيقيّة للحدث، فعلى سبيل المثال لو بدا بالنسبة لمحاضرٍ أنّ كثيرًا من الحضور متشوّقون للحديث، فإنّه لا يزال يركز على الفرد الذي يتثاءب.

– الإفراط في التعميمovergeneralization :

وضعُ تعميم متعجل وإطلاقُ وصف عامّ على النفس أو الآخرين بناءً على تجارب وأدلة غير كافية، أو اعتقاد أنّ شيئًا ما سيءٌ هو بداية لسلسة من المصائب نظرًا لحدوثه مرة واحدة. يمكن تمثيله في والد ينعت ولده بالغبي الفاشل لأنه نسي شيئًا ما أو قام به بشكل خاطئ، فهو يعمّم فشله لمرة واحدة إلى فشل دائم. أو على سبيل المثال؛ فتاةُ تعتقد بأنّ كل الرّجال مخادعين لأنها قابلت شخصًا واحدًا قام بخداعها.

– التهويل والتهوينand minimization Magnification:

التهويل هو تضخيم المشاكل الصغيرة بشكلٍ يفوق الواقع، والميل إلى المبالغة في تعظيم العوامل السلبيّة وإعطاء الأمور ما ليس لها من الأهمية، والتهوين هو تصغير للإيجابيات حيث يقوم الشخص بتحقير إيجابياته وتهميش ما قام به من إنجازات. ويُعتبر هذا التشوه عمومًا عبارة عن إعطاء قيمة أكبر لحالة فشل، وقيمة أقل لحالة نجاح، وتختلف هذه القيمة عما يراه الآخرون حول تلك الحالة. ويندرج تحت هذا التشوه نمط آخر وهو:

* التفكير الكارثي catastrophizing:

إعطاءُ أكبر قدرٍ من الاهتمام لأسوأ النتائج المحتملة رغم صعوبة وقوع هذا الاحتمال، أو رؤيةُ الشخص نتيجة حدثٍ ما على أنها كارثة مع أنها ليست كذلك، ويمكن تمثيل هذا التشوه في حالة خوف شديد لدى مراهق من إجراء تدريبات القيادة نظرًا لاعتقاده أنه سيتعرض خلالها لحادث ما. وهناك أيضا الأسئلة العقيمة التي تتكرّر بشكلٍ مبالغ فيه، والتي غالبًا ما تكون بصيغة: “ماذا لو!” وهكذا، كشخصٍ يصاب بحالة صداع ثم يبدأ في التساؤل: “ماذا إن كان هذا نتيجة كذا؟”، إلى أن يرسو في نهاية المطاف على نتيجة أنه على وشك الموت، وربما تعد هذه الأسئلة تشوّهًا في حد ذاتها.

– الإلزامات shoulds:

يضع الإنسان متطلباتٍ صارمةً على عمله أو أدائه أو تصرفاته، ويفترض أنّه من الفشل أن يَحيد عن هذه المتطلبات بدلًا مـن التفكير في أنه يجب أن يعمل ما يحب أو أنّه من الأفضل أن يكون ما يقوم به مضبوطًا ودقيقًا في حدود الإمكانيات. على سبيل المثال؛ خلقُ أحدهم قائمةً من القواعد الصارمة واعتقاده أنه يجب أن يتصرف هو والآخرين تبعًا لها، وغضبه إذا اخترقها الآخرون، وشعوره بالذنب إنْ هو تعداها.
تعبيرات الإلزام عمومًا مثل: “يجب أن” و”ينبغي أن” غالبًا ما تسبب الشعور بالذنب للذات والغضب للآخرين.

– القفز إلى الاستنتاجات Jumping to conclusions:

الوصولُ إلى نتائجَ معينةٍ دون دليل حقيقيّ أو عن طريق دليل ضعيف جدًا، وهناك نوعين من الأخطاء تقع تحت مظلة هذا النمط وهما:

*قراءة الأفكارmind reading : استنباطُ أفكارِ الشخص المحتملة أو المتوقعة من خلال سلوكياته والتواصل غير الكلاميّ في سياق الموقف، وكمثالٍ على ذلك؛ إساءة الظنّ بشخصٍ ما بافتراض أنه يفكر تجاهنا على نحوٍ سيء.

*خطأ العرّافfuture telling : بناءُ توقعاتٍ لما يمكن أن تكون عليه الأمور في المستقبل كنوعٍ من ادّعاء معرفة الغيب وبدون دليل، وغالبًا ما تكون هذه الاحتمالات سلبية، كاقتناعِ أحدهم أنّ الأمور ستسير على نحوٍ سيءٍ خلال بضع سنين.

التعليقات مغلقة

نشر