الامام أبو عمرو

في عام 776م توفي بالكوفة زبَّان بن عمار التميمي المازني البصري، أبو عمرو، ويلقب أبوه بالعلاء. من أئمة اللغة والأدب، وأحد القراء السبعة. كان أعلم الناس بالقرآن والعربية والشعر، وهو في النحو في الطبقة الرابعة من علي بن أبي طالب رضي الله عنه. قال الأصمعي: قال أبو عمرو بن العلاء: لقد علمت من النحو ما لم يعلمه الأعمش وما لو كتب لما استطاع ان يحمله. وقال أيضاً: سألت أبا عمرو عن ألف مسألة، فأجابني فيها بألف حجة.
وكان أبو عمرو رأساً في حياة الحسن البصري مقدماً في عصره. وقال ابو عبيدة: كان أبو عمرو أعلم الناس بالأدب والعربية والقرآن والشعر.
وكانت كتبه التي كتب عن العرب قد ملأت بيتاً له إلى قريب من السقف، ثم إنه تنسك فأخرجها كلها، فلما رجع إلى علمه الأول لم يكن عنده إلا ما حفظه بقلبه، وكانت عامة أخباره عن أعراب قد أدركوا الجاهلية. قال الأصمعي جلست إلى أبي عمرو بن العلاء عشر حجج، فلم أسمعه يحتج ببيت إسلامي، قال: وفي ابي عمرو بن العلاء يقول الفرزدق:
ما زلت أغلق أبواباً وأفتحها … حتى أتيت أبا عمرو ابن عمار
وحكى أبو عمرو قال: طلب الحجاج بن يوسف الثقفي أبي، فخرج منه هارباً إلى اليمن، فإنّا لنسير بصحراء باليمن إذ لحقنا لاحق ينشد:
ربما تكره النفوس من الأم … ر له فرجة كحل العقال
قال: فقال أبي: ما الخبر؟ قال: مات الحجاج، قال أبو عمرو: فأنا بقوله (له فرجة) أشد سروراً مني بموت الحجاج، قال، فقال أبي: أصرف ركابنا إلى البصرة.
قال الأصمعي: سألت أبا عمرو بن العلاء عن قولهم: (أرهبته ورهَبته) فقال: ليستا سواء، فقلت: رهَبته فرّقتُه، وأرهبته أدخلت الفرق في قلبه، قال أبو عمرو: ذهب من يعرف هذا منذ ثلاثين سنة.
وقال ابن مناذر: سألت أبا عمرو بن العلاء: حتى متى يحسن بالمرء أن يتعلم؟ قال: ما دامت الحياة تحسن به. وقال أبو عمرو: حدثنا قتادة السدوسي قال: لما كُتِبَ المصحف عرض على عثمان بن عفان رضي الله عنه فقال: إن فيه لحناً ولتقيمَنَّه العرب بألسنتها.
وكان أبو عمرو إذا دخل شهر رمضان لم ينشد بيت شعر حتى ينقضي. وكان له في كل يوم فلسان يشتري بأحدهما كوزاً جديداً يشرب فيه يومه ثم يتركه لأهله، ويشتري بالآخر ريحاناً فيشمه يومه فإذا أمسى قال لجاريته: جففيه ودقيه في الأشنان.
وروى يونس بن حبيب النحوي قال: سمعت أبا عمرو بن العلاء يقول: ما زدت في شعر العرب قط إلا بيتاً واحداً، وهو:
وأنكَرَتني وما كان الذي نَكِرَتْ … من الحوادث إلا الشيب والصَّلَعا
وقال أبو عبيدة: دخل أبو عمرو بن العلاء على سليمان بن علي، وهو عم السفاح، فسأله عن شيء فصدقه، فلم يعجبه ما قاله، فوجد أبو عمرو في نفسه وخرج، وهو يقول:
أنِفتُ من الذل عند لملوك … وإن أكرموني وإن قَرَّبوا
إذا ما صَدَقتَهمُ خفتهـم … ويَرضَونَ مني بأن يثكذَبوا
ولما حضرته الوفاة كان يغشى عليه ويفيق، فأفاق من غشية له، فإذا ابنه بشر يبكي، فقال: ما يبكيك وقد اتت عليّ أربع وثمانون سنة؟
ورثاه عبد الله بن المقفع بقوله:
رُزِنا أبا عمرو ولا حيَّ مثله … فلله ريب الحادثات بمن فجع
فإن تكُ قد فارقتنا وتركتنـا … ذوي خَلَّة ما في انسداد لها طمع
فقد جَرَّ نفعاً فقدُنا لك أننا … أمِنّا على كل الرزايا من الجزع