في عام 820م توفي في مصر الإمام محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان ابن شافع بن السائب الهاشمي القرشي المطلبي، وكان أبوه السائب صاحب راية بني هاشم يوم بدر، فأسر وفدى نفسه ثم اسلم، فقيل له: لمَ لم تسلم قبل ان تفدي نفسك؟ فقال: ما كنت أحرم المؤمنين مطمعاً لهم فيَّ. أحد الأئمة الأربعة عند أهل السنة.
كان الشافعي كثير المناقب جم المفاخر منقطع القرين، اجتمعت فيه من العلوم بكتاب الله وسنة الرسول صلى الله علي وسلم، وكلام الصحابة رضي الله عنهم وآثارهم، واختلاف أقاويل العلماء وغير ذلك من معرفة كلام العرب واللغة والعربية والشعر ما لم يجتمع في غيره، حتى قال أحمد بن حنبل عنه: ما عرفت ناسخ الحديث ومنسوخه حتى جالست الشافعي؛ وقال أبو عبيد القاسم بن سلام: ما رأيت رجلاً قط أكمل من الشافعي؛ وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: قلت لأبي: أي رجل كان الشافعي؟ فإني سمعتك تكثر من الدعاء له، فقال: يا بني، كان الشافعي كالشمس للدنيا وكالعافية للبدن، هل لهذين من خلف أو عنهما عوض؟ وقال أحمد: ما بت منذ ثلاثين سنة إلا وأنا ادعو للشافعي وأستغفر له؛ وقال يحيى بن معين: كان أحمد بن حنبل ينهانا عن الشافعي، ثم اسقبلته يوماً والشافعي راكب بغلة وهو يمشي خلفه، فقلت: يا أبا عبد الله، تنهانا عنه وتمشي خلفه؟ فقال: اسكت، لو لزمت البغلة انتفعت.
وحكى الخطيب في (تاريخ بغداد) عن ابن عبد الحكم قال: لما حملت أم الشافعي به رأت كأن المشتري خرج من فرجها حتى انقض بمصر، ثم وقع في كل بلد منه شظية، فتأول أصحاب الرؤيا أنه يخرج منها عالم يخص علمه أهل مصر ثم يتفرق في سائر البلدان.
وقال الشافعي؛ قدمت على مالك بن أنس وقد حفظت (الموطأ) فقال لي: أحضر من يقرأ عليك، فقلت: أنا قارئ، فقرأت عليه لموطأ حفظاً، فقال: إن يك أحد يفلح فهذا الغلام. وكان سفيان بن عيينة إذا جاءه شيء من التفسير أو الفتيا التفت إلى الشافعي فقال: سلوا هذا الغلام. وقال الحميدي: سمعت زنجي بن خالد – يعني مسلماً – يقول للشافعي: أفت يا أبا عبد الله فقد والله آن؛ لك أن تفتي، وهو ابن خمس عشرة سنة، وقال محفوظ بن أبي توبة البغدادي: رأيت أحمد بن حنبل عند الشافعي في المسجد الحرام، فقلت: يا أبا عبد الله، هذا سفيان بن عيينة في ناحية المسجد يحدث، فقال: إن هذا يفوت وذاك لا يفوت. وقال أبو حسان الزيادي: ما رأيت محمد بن الحسن يعظم أحداً من أهل العلم تعظيمه للشافعي.
والشافعي أول من تكلم في أصول الفقه وهو الذي استنبطه، وقال أبو ثور: من زعم أنه رأى مثل محمد بن إدريس في علمه وفصاحته ومعرفته وثباته وتمكنه فقد كذب، كان منقطع القرين في حياته.
وقال أحمد بن حنبل: ما احد ممن بيده محبرة او ورق إلا وللشافعي في رقبته مِنَّةٌ.
وإليه نسبة الشافعية كافة. ولد في غزة هاشم (فلسطين) سنة 767م، وحمل منها إلى مكة المكرمة وهو ابن سنتين. وزار بغداد مرتين. وقصد مصر سنة (199هـ/814م)، وتوفي بها، وقبره معروف في القاهرة. قال المبرد: كان الشافعي أشعر الناس وآدبهم وأعرفهم بالفقه والقراءات. وكان من أحذق قريش بالرمي، يصيب من العشرة عشرة، برع في ذلك أولاً كما برع في الشعر واللغة وأيام العرب، ثم أقبل على الفقه والحديث. وكان ذكياً مفرطاً. له تصانيف كثيرة، أشهرها كتاب (الأم) في الفقه، ومن كتبه (المسند) في الحديث، و(أحكام القرآن) و(السنن) و(الرسالة) في أصول الفقه، و(اختلاف الحديث) و(السبق والرمي) و(فضائل قريش) و(أدب القاضي) و(المواريث) ولابن حجر العسقلاني (توالي التأسيس، بمعالي بن إدريس) في سيرته.
وللإمام الشافعي أشعار كثيرة، فمن ذلك قوله:
إن الذي رُزق اليسار ولم يصب … حمداً ولا أجراً لَغَيرُ موفق
الجد يُدني كلّ أمر شاسع … والجد يفتح كل باب مغلق
ومن الدليل على القضاء وكونه … بؤسُ اللبيبِ وطيبُ عيش الأحمق
وله أيضاً:
رام نفعاً فضرَّ من غير قصد … ومن البرِّ ما يكون عقوقا
وله:
كلما أدبنب الدهـ … رُ أراني نقصَ عقلي
وغذا ما ازددِّتُ علماً … زادني علماً بجهلي
وهو القائل:
ولولا الشِّعرُ بالعلماء يُزري … لكنت اليوم أشعر من لبيد
وقال الشافعي: تزوجت امرأة من قريش بمكة، وكنت امازحها فأقول:
ومن البلية أن تحـ … بِّ فلا يحبُّك من تحبُّه
فتقول هي:
ويَصُدُّ عنك بوجهه … وتلجُّ أنت فلا تغِبُّه

شارك الموضوع
المقالة السابقةأول هبوط طائرة على ظهر سفينة
المقالة التاليةباتريس لومومبا