ابن عياض

في عام 803م توفي في مكة الزاهد المشهور الفضيل بن عياض بن مسعود التميمي اليربوعي. شيخ الحرم المكي، من أكابر العبّاد الصلحاء.
كان في أول أمره قاطع طرق يقطع الطريق بين أبيورد وسرخس، وكان سبب توبته أنه عشق جارية فبينا هو يرتقي الجدران إليها سمع تالياً يتلو: (ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله) الحديد: (16). فقال: يا رب قد آن، فرجع، وآواه الليل إلى خربة فإذا فيها رفقة، فقال بعضهم: نرتحل، وقال بعضهم: حتى نصبح، فإن فُضيلاً على الطريق يقطع علينا، فتاب الفضيل وأمنهم.
وكان من كبار السادات؛ حدّث سفيان بن عيينة قال: دعانا هارون الرشيد فدخلنا عليه، ودخل الفضيل آخرنا مقنعاً رأسه بردائه، فقال لي: يا سفيان، وأيهم أمير المؤمنين؟ فقلت: هذا، وأومأت إلى الرشيد، فقال له: يا حسن الوجه، أنت الذي أمر هذه الأمة في يدك وعنقك؟ لقد تقلدت أمراً عظيماً، فبكى الرشيد، ثم أتي كل رجل منا ببدرة (صرة من مال)، فكل قبلها إلا الفضيل، فقال الرشيد: يا أبا علي إن لم تستحل أخذها فأعطها ذا دين أو أشبع بها جائعاً أو اكس بها عارياً فاستعفاه منها، فلما خرجنا قلت: يا أبا علي، أخطأت، ألا أخذتها وصرفتها في أبواب البر؟ فأخذ بلحيتي ثم قال: يا أبا محمد، أنت فقيه البلد والمنظور إليه وتغلط مثل هذا الغلط؟ لو طابت لأولئك لطابت لي.
ويحكى أن الرشيد قال له يوماً: ما أزهدك! فقال الفضيل: أنت أزهد مني، قال: وكيف ذلك؟ قال: لأني أزهد في الدنيا، وأنت تزهد في الآخرة، والدنيا فانية والآخرة باقية.
ومن كلام الفضيل: إذا احب الله عبداً أكثر غمه، وإذا أبغض عبداً وسّع عليه دنياه. وقال: لو أن الدنيا بحذافيرها عرضت عليَّ على أن لا أحاسب عليها لكنت أتقذرها كما يتقذر أحدكم الجيفة إذا مر بها أن تصيب ثوبه. وقال: إني لأعصي الله تعالى فأعرف ذلك في خلق حماري وخادمي. وقال: لو كانت لي دعوة مستجابة لم أجعلها إلا في إمام، لأنه إذا صلح الإمام أمن البلاد والعباد. وقال: لأن يلاطف الرجل أهل مجلسه ويحسن خلقه معهم خير له من قيام ليله وصيام نهاره. وقال: من عرف الناس استراح.
وقال أبو علي الرازي: صحبت الفضيل ثلاثين سنة، ما رأيته ضاحكاً ولا متبسماً إلا يوم مات ابنه علي، فقلت له في ذلك، فقال: إن الله أحب أمراً فأحببت ذلك الأمر؛ وكان ولده المذكور شاباً سريّاً من كبار الصالحين. وهو معدود من جملة من قتلتهم محبة الباري سبحانه وتعالى.
وكان عبد الله بن المبارك يقول: إذا مات الفضيل ارتفع الحزن من الدنيا.
كان ثقة في الحديث ومناقبه كثيرة، أخذ عنه خلق منهم الإمام الشافعي. ولد في سمرقند سنة 723م، ونشأ بأبيورد، ودخل الكوفة وهو كبير، وأصله منها. ثم سكن مكة وتوفي فيها.