السياسي المصري أمين عثمان

في عام 1946م اغتيل السياسي المصري الموالي للإنجليز أمين عثمان، المولود بالإسكندرية‏,‏ سنة ‏1900‏م، وكان والده يعمل موظفاً في المجلس البلدي للإسكندرية ,‏ وكانت اللغات المستعملة فيه هي الفرنسية أو الانجليزية لأن معظم العاملين به من الأجانب دون العربية ,‏ ويبدو أن والده كان من عشاق الثقافة الانجليزية فألحق إبنه بكلية فيكتوريا‏ ‏ المدرسة الانجليزية التي سميت باسم الملكة فيكتوريا إمبراطورة بريطانية بمناسبة العيد الخمسين لتوليها العرش‏.
كان أمين عثمان تلميذاً متوفقاً,‏ مما أهله ليكون التلميذ الأول‏ ‏ للمدرسة‏ عندما تفوق فى اللغة الإنجليزية على أقرانه, ‏وتوطدت الصلة بينه وبين المدرسين الانجليز الذين كانوا في غالبيتهم ممن لهم صلة وثيقة بالمخابرات البريطانية‏.
ويعتقد أن والده أدخله هذه المدرسة ذات المصروفات العالية كما أنه أعفي من مصاريفها الباهظة إما عن طريق واسطة معارفه من الأنجليز أو لتفوقه ثم سافر إلي انجلترا والتحق بجامعة أكسفورد‏ ‏وهي كبري الجامعات الانجليزية وأكثرها احتراماً وكان طالباً متفوقاً ,‏ فحصل على شهادة الحقوق‏‏ التي تماثل الليسانس فى الحقوق من الجامعات المصرية في سنة‏1915م،‏ وعاد إلي مصر وزاول مهنة المحاماة الحرة فيها لمدة عامين‏,‏ ثم التحق بعدها بوظيفة حكومية تدرج فيها إلى أن صار مفتش مالية ملف وزارة الخارجية البريطانية عام ‏1939م، وكان قد‏ تزوج من انجليزية من غرب لندن‏‏ من عائلة متواضعة الحال يتكلمون بلهجة محلية مميزة تدل على انتمائهم القروى وهي اللهجة التي لم تكن محل احترام الدبلوماسيين الانجليز.
بدأ اتصال أمين عثمان بالوفد عن طريق صديق له اسمه الدكتور محمود أباظة‏,‏ وكان محمود من أخلص العناصر الوطنية وكان صديقاً لمكرم عبيد‏,‏ فأوصى به على أساس أنه يتقن اللغة الانجليزية يمكن استخدام طاقاته كسكرتير توسم مكرم في أمين عثمان الخير عندما عرف أنه من تلاميذ اكسفورد ‏(الجامعة التي تعلم فيها مكرم) وعينه مديراً لمكتبه وأولاه ثقته كاملة‏.‏
وقدمه مكرم لصديق العمر مصطفي النحاس مشيداً بكفاءته وببراعته وخلقه ,‏ فاكتسب بدوره ثقة النحاس باشا‏,‏ وفى وقت المفاوضة مع الانجليز على المعاهدة في سنة ‏1936م,‏ عين أمين عثمان سكرتيراً عاماً لوفد المفاوضة وهي مهمة دقيقة تحتاج لكثير من الدبلوماسية ومن إتقان للغة الإنجليزية للنقاش.‏
ونظراً لبدء علاقاته مع الأنجليز توطدت علاقات أمين عثمان بدار المندوب السامي ومن يعملون هناك,‏ وخاصة سير مايلزم لامبسون لورد كيلرن بعد ذلك المندوب السامي الذي صار بعد المعاهدة سفيراً لبريطانيا.
وبزغت لأمين غثمان الفرصة الذهبية ليكون الواسطة بين الطرفين وأوهم الجانبين أنه المؤثر الأول في سياسة الطرف الآخر، وحاول الأنجليز ضمه إلى جانبهم فأنعم عليه في لندن بلقب سير‏,‏‏ الأمر الذي كان محل تندر الدبلوماسيين الانجليز لما عرف عنهم من غطرسة وطبقية‏.
وفى مذكرات لورد كليرن التي نشرت في سنة ‏1972م ” فلم يقتصر ـ في ظني المتواضع ـ الدور الذي لعبه أمين عثمان على كونه سمساراً سياسياً بين السفارة البريطانية وبين الوفد‏,‏ بل كان منسقاً منظماً لهذه الحملة العسكرية وناصحاً ومستشاراً للسفارة البريطانية فيما يجب أن تتخذه من إجراءات سياسية أو عسكرية “‏.
وفي الاجتماع الذي عقد في عابدين بحضور الملك فاروق وجميع الزعماء‏,‏ روى لهم فاروق ماحدث وأن الانجليز طلبوا منه عودة النحاس إلى الحكم وأنه يقترح عليهم تشكيل وزارة ائتلافية برئاسة النحاس من عده أحزاب ولكن رفض النحاس ومكرم هذه الفكرة لخبرتهم السابقة عن فشل الائتلافات الوزارية قكما أن ضررها أكبر من نفعها‏,‏ وهنا اعترض أحمد باشا ماهر علي استبعاد احزاب الأقلية وقال إلى النحاس باشا : “انت تأتي على أسنة الحراب الانجليزية”,‏ رد عليه بقوة قائلا‏ً:‏ “انت تعرف أنني ومكرم قد نفينا لأننا حاربنا المستعمر وأننا ترافعنا عنك أنا ومكرم في قضية اغتيال السردار الانجليزي‏,‏ فليس نحن من نتهم بأننا نتولي الحكم على أسنة الحراب الانجليزية‏”.
وأخطأ أمين عثمان حينما قال في إحدى خطبه: “إن الزواج بين مصر وإنجلترا زواج كاثوليكي أي زواج لا انفصام له‏!” ولم ينتهى الحد عند الكلام إلا أنه بدأ في تكوين جمعية سماها الاتحاد المصري ‏ضم إليه مجموعة كبيرة من المثقفين ومن أصحاب المصلحة السياسية فى الحكم, فى الوقت الذى بدأ فيه نشاط جماعة الإخوان المسلمين.
وكانت جهود أمين عثمان واللعب على جميع الحبال السياسية طريقاً له ليصبح وزيراً للمالية بدلاً من مكرم عبيد الذي كان قد فصل من الوفد ومن مجلس النواب إثر إصداره للكتاب الأسود.
وبقي أمين عثمان منفذا للسياسة الانجليزية في كل ما تطلبه منه.