عيسى بن عمر الثقفي النحوي البصري

في عام 766م توفي عيسى بن عمر الثقفي النحوي البصري. من أئمة اللغة. وهو شيخ الخليل وسيبويه وابن العلاء، وأول من هذّب النحو ورتبه. وعلى طريقته مشى سيبويه وأشباهه. يقال إن سيبويه أخذ كتاب عيسى بن عمر (الجامع) وبسطه وحشى عليه من كلام الخليل وغيره، ولما كمل بالبحث والتحشية نسبه إليه، وهو كتاب سيبويه المشهور، والذي يدل على صحة هذا القول أن سيبويه لما فارق عيسى بن عمر ولازم الخليل بن أحمد سأله الخليل عن مصنفات عيسى، فقال له سيبويه: صنف نيفاً وسبعين مصنفاً في النحو، وغن بعض أهل اليسار جمعها وأتت عنده عليها آفة فذهبت ولم يبق منها في الوجود سوى كتابين: أحدهما اسمه (الإكمال)، وهو بأرض فارس عند فلان، والآخر (الجامع) وهو هذا الكتاب الذي اشتغل فيه وأسألك عن غوامضه، فأطرق الخليل ثم رفع رأسه وقال: رحم الله عيسى، وأنشد:
ذهب النحو جميعاً كله … غير ما أحدث عيسى بن عمر
ذاك إكمال وهذا جامع … وهما للناس شمس وقمر
ويقال: إن أبا الأسود الدؤلي لم يضع في النحو إلا باب الفاعل والمفعول فقط، وإن عيسى بن عمر وضع كتاباً على الأكثر وبوَّبه وهذبه وسمى ما شذ عن الأكثر لغات، وكان يطعن على العرب ويخطئ المشاهير منهم، مثل النابغة في بعض أشعاره وغيره، وروى الأصمعي قال: قال عيسى بن عمر لأبي عمرو ابن العلاء: أنا أفصح من معد بن عدنان، فقال له أبو عمرو: لقد تعديت، فكيف تنشد هذا البيت:
قد كن يخبأن الوجوه تستراً … فاليوم حين بدأن للنظار
فقال عيسى: بدأن، فقال له أبو عمرو، أخطأت؛ يقال: بدا يبدو إذا ظهر، وبدأ إذا شرع في الشيء، والصواب (حين بدون للنظار). وإنما قصد أبو عمرو تغليظه، لأنه لا يقال في هذا الموضع (بدأن) ولا (بدين) بل (بدون).
وكان صاحب تقعّر في كلامه، مكثراً من استعمال الغريب. ومن جملة تقعيره في الكلام ما حكاه الجوهري في كتاب (الصحاح) قال: سقط عيسى بن عمر عن حمار له، فاجتمع عليه الناس، فقال: ما لكم تكاكأتم علي تكأكؤكم على ذي جِنّة، افرنقعوا عني؛ معناه: ما لكم تمعتم علي تجمعكم على مجنون، انكشفوا عني.