في عام 1941م غزت الجيوش الألمانية الاتحاد السوفييتي. وفوجئت القوات الروسية بالهجوم الصاعق فتراجعت، متخلية عن المدن، والقرى، ومئات الألوف من الأسرى. وفي كانون الأول من تلك السنة، وعندما حل الشتاء، تسمرت جيوش هتلر في مكانها، وكأنها تجمدت كسائر المشاهد الطبيعية التي تحيط بها.
في الشمال، كان الألمان في ضواحي لينينغراد، وقد أعلنت القيادة العليا الألمانية إلى العالم سقوط هذه المدينة.. ولكن، قبل الأوان، على ما يبدو. وفي نهاية العام 1941م كانت المدينة عملياً، مطوقة. وبدأ الحصار الذي سيدوم أكثر من سنتين، وسيفرض على السكان الذين يزيد عددهم على المليونين أسوأ أنواع المحن.
فالمدفعية والطيران الألمانيان يدمران المساكن، ويكرهان الذين بقوا على قيد الحياة على اللجوء إلى الكهوف هرباً من الموت. ولكنهم كانوا يقاسون الأمرين من البرد، والجوع، غير أنهم كانوا صامدين بقيادة المارشال فورشيلوف. وكان الجنود والمدنيون، المتلاحمون في أروع صورة يدافعون عن كل حي، وعن كل شارع، وعن كل منزل، بطاقة لا هوادة فيها، وبشجاعة لا مثيل لها. لينينغراد لا ينبغي أن تسقط في أيدي الغازي: هكذا كان الأمر الصادر من موسكو، ولكنه لم يكن ضرورياً إصدار مثل هذا الأمر لأن كل ساكن كان يعتبر نفسه معنياً بهذه المعركة التي تهدد في الصميم وجود الأمة نفسها. وأخيراً، في كانون الثاني 1944م، انتقل الجيش الروسي، بعد إعادة تنظيمه، إلى لهجوم. وفي الثاني عشر منه تخلى الألمان عن حصارهم للينينغراد بعدما أصبحوا بين نارين. وتحررت المدينة، وأعيدت المواصلات والاتصالات بين سائر أرجاء الاتحاد السوفييتي.

شارك الموضوع
المقالة السابقةأجاثا كريستي
المقالة التاليةالمفكر هشام شرابي